مذكرة إلى القمة الفرنسية – السورية

حول إيجاد حل ديمقراطي للقضية القومية الكردية في سوريا

 

 

     فخامة الرئيس بشار الأسد رئيس الجمهورية العربية السورية المحترم

     فخامة الرئيس جاك شيراك رئيس الجمهورية الفرنسية الموقر 

     السادة أعضاء البرلمان الفرنسي المحترمون

بعد جزيل السلام والاحترام

    رغبة منا بأن نلفت أنظار سيادتكم إلى الأوضاع المأساوية والغير طبيعية التي يشكو منها أبناء شعبنا الكردي في سوريا التي تسبب أفدح الأضرار للعلاقات الأخوية بين أبناء الوطن الواحد, نرفع لسيادتكم هذه المذكرة راجين أن تحظى باهتمامكم في التفضل بأمر إيجاد حل مناسب لها, على أرضية عملية وقوانين موضوعية تشكل الديمقراطية وحقوق الإنسان عمادها, بالإستناد إلى تعددية سياسية وثقافية وإثنية تتفاعل وتتواصل وتعمل لخير سورية ومستقبلها وتنميتها الاقتصادية وترسيخ مبادئ العدل والمساواة بين مواطنيها من أجل المساهمة الحرة للجميع في بناء وطن حضاري يواكب العصر وتحدياته, وطن الحرية والعدل والمساواة.

 

حول القضية القومية الكردية في سورية:

     إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية بعيد الحرب العالمية الأولى جرى اقتسام أراضي الشعوب والأوطان التي كانت ترزح تحت نير العثمانيين, فأرتسمت خارطة سياسية وحدود دولية جديدة للمنطقة وفق مصالح ورغبات دول الغرب وذلك بموجب إتفاقية (سايكس –بيكو) 1916 ومعاهدة لوزان 23/7/1923 ولم ينج الشعب الكردي الذي يعيش منذ آلاف السنين على أرضه التاريخية من هذا التقسيم الاستعماري, الذي جرى بموجبه تقسيم الشعب الكردي وأرضه التاريخية وبذلك أصبحت كردستان –وطن الكرد مقسمة بين أربع دول (تركيا –إيران –العراق- سوريا).

     لقد رسمت الحدود الشمالية لسوريا على ضوء اتفاقية لندن (9/7/1921), بين فرنسة كدولة منتدبة على سوريا والحكومة التركية. وقد تركت هذه الحدود المصطنعة، التي لم يكن للكرد والعرب شأن في رسمها، قسما من الشعب الكردي الذي يعيش على أرضه التاريخية في شمال وشمال شرقي سوريا ضمن الكيان السوري الناشئ .

    ولدى مقاومة الشعب السوري للإنتداب الفرنسي يصعب على أي مؤرخ منصف أن يتنكر لجملة الوقائع والأدوار الوطنية البارزة التي اضطلع بها أبناء شعبنا الكردي في معترك الكفاح من أجل الاستقلال الوطني لسوريا وتوطيد دعائمه. فأول شهداء المقاومة البطل يوسف العظمة كان كرديا، وأول من رفع العلم السوري في دمشق البطل أحمد البارافي من حي الأكراد في دمشق كان كرديا وكذلك كل من الأبطال إبراهيم هنانو من جبل الأكراد وانتفاضة عامودة وبياندور في الجزيرة. وبعد جلاء الفرنسيين عن أراضي سوريا وبزوغ فجر الاستقلال واصل شعبنا الكردي في الإستبسال والحرص على مصالح وقضايا سوريا وتوطيد وحدتها الوطنية وتطورها الحضاري .....

   إلا أن الأنظمة والحكومات المتعاقبة تجاهلت واقع وحقيقة وجود تاريخي لثاني قومية في البلاد تشكل نسبة تنوف عن /12 %/ من سكان سوريا يمثلها الشعب الكردي المتميز بذاته القومية ولغته الكردية الحية ويعيش أبناؤه في مناطقه التاريخية (الجزيرة-كوباني –كرداغ) أبا عن جد. ليس هذا فحسب, بل وإقدامها –أي تلك الأنظمة- ولا يزال على انتهاج سياسة شوفينية واضطهاد قومي بحق الشعب الكردي تجلت في رسم وتطبيق تدابير إستثنائية ومشاريع عنصرية كمشروع الحزام العربي الإستيطاني بطول (350) كم وعرض (10-15) كم تحت أسم (مزارع الدولة), وقانون الإحصاء الإستثنائي الساري المفعول منذ عام 1962 في الجزيرة (محافظة الحسكة) وذلك بهدف طمس المعالم الديمغرافية للمناطق الكردية وصهر الشعب الكردي في بوتقة القومية العربية.

 

حول الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي:

     بتاريخ 23/8/1962, صدر المرسوم الجمهوري رقم (93) والذي تقرر بموجبه إجراء إحصاء سكاني في محافظة (الجزيرة) وحدها دون غيرها من المحافظات السورية!!!. وتم هذا الإحصاء في 5/10/1962, وكان من نتائجه أن قسما كبيرا من أبناء شعبنا الكردي, بلغ عددهم أكثر /120/ ألف شخص (عددهم اليوم يزيد على /220/ ألفا) قد وردت أسماءهم في عداد "أجانب ومكتومين" جردوا من جنسيتهم السورية وما يترتب عليها من حقوق المواطنة. حيث طلب من السكان تسليم بطاقات هوياتهم للسلطات بحجة تجديدها فأعطيت البطاقات لقسم منهم ولم تعطى للآخرين, الذين كانت السلطات تريد مصادرة أراضيهم وتحرمهم من الانتفاع بأراضي الإصلاح الزراعي التي وزعت على الفلاحين لاحقا. كانت العملية ظالمة سياسيا وقانونيا وغير إنسانية وغالبا أدت إلى أن بعض أفراد العائلة الواحدة قد أعترف بهويتهم السورية وبات الآخرين أجانب في بلادهم. رافقت عملية (الإحصاء) حملة دعائية منظمة في وسائل الإعلام تتهم الشعب الكردي بالتآمر على عروبة الجزيرة وتنذره بالتهديد والوعيد. هذا ما يعرف بـ (قانون الإحصاء الاستثنائي). وقد اتخذت هذه الحملة شكلا معيبا في كتاب محمد طلب هلال (ضابط الأمن السياسي في الجزيرة), الذي أنكر على الكرد كونهم يشكلون شعبا وأمة, وأنهم –أي الكرد- قد بلغوا درجة عالية من "العقائدية والتنظيم في الداخل وأوربا تشكل تهديدا للكيان العربي"وأنه"لا يمكن معالجة هذا السرطان إلا بالبتر" و "لا فرق بينهم وبين إسرائيل", وعلى هذا الأساس, يقترح محمد طلب هلال على الدولة مخططا في أثني عشر نقطة (لحل) المسألة الكردية منها؛ "التهجير والتجهيل وسد أبواب العمل أي التجويع, ونزع الصفة الدينية عن مشايخ الدين الأكراد, وضرب الأكراد بعضهم ببعض, وإسكان عناصر عربية في المناطق الكردية على طول الحدود, وجعل الشريط الشمالي من الجزيرة منطقة عسكرية بحيث توضع وحدات عسكرية مهمتها إجلاء الأكراد وإسكان العرب, وإنشاء مزارع جماعية للعرب الذين تسكنهم الدولة في الشريط الشمال على أن تكون هذه المزارع مدربة ومسلحة عسكريا".

   هذا ما سمي بسياسة الحزام العربي, الذي بدئ بتطبيقه منذ عام /1973/, وذلك بجلب عشائر عربية من وادي الفرات الأوسط وإسكانهم في قرى نموذجية على الشريط الشمالي من المنطقة الزراعية الكردية (الجزيرة), بعد أن حرم سكانها الأصليين من أراضيهم الزراعية ظلما وبدون أي وجه حق. وقد قامت السلطات مؤخرا بالإستلاء على الأراضي الحجرية البور, التي أستصلحها الفلاحون الأكراد المنكوبون بسواعدهم وعرق جباههم وأعطتها مرة أخرى للمستوطنين (عرب الغمر).

 

السادة الرؤساء

    يتواصل الاضطهاد والضغط على شعبنا الكردي وفق سياسة منهجية الهدف منها, تشتيت الأكراد والطمس على هويتهم الثقافية وشل قدراتهم, لحملهم على التخلي عن لغتهم والتبرؤ من هويتهم وانتمائهم القومي, وصولا إلى تعريبهم من خلال تدابير وإجراءات كثيرة, منها:

1-      حرمانه من حقه الطبيعي في ممارسة لغته وثقافته القومية الكردية.

2-   ضرب المشاعر القومية لدى الإنسان الكردي, عبر تغيير الأسماء التاريخية والحضارية لمئات القرى والبلدات الكردية واستبدالها بمسميات عربية, وكذلك أسماء الجبال والعديد من التلال والينابيع والمواقع الأثرية.

3-      منع الموسيقى والأغاني الكردية ومحاربتها, في إطار السعي لطمس الفلكلور والخصائص القومية للأكراد.

4-   فصل ونقل تعسفيين بحق الكثيرين من الأكراد العاملين في دوائر ومؤسسات الدولة, وكذلك فصل الطلبة الأكراد من معاهد التعليم التابعة لأكثر من وزارة.

5-   ممارسة الإجراءات التمييزية بحق الشباب الأكراد وسحب الثقة منهم, سواء بحرمانهم من القبول في الكليات العسكرية أو سد أبواب السلك الدبلوماسي في وجوههم, مهما بلغت درجة مؤهلاتهم العلمية ومستوى تحصينهم الأكاديمي.

6-   إصرار الجهات المعنية على المضي في فرض سياسة التبعيث في المناطق الكردية وإرهاب الطلبة الناشئين من مغبة عدم الانخراط في صفوف البعث, مما يخلق حالة ضغط وقلق وامتعاض, تؤثر سلبا على نفوس الأبناء والآباء ومستوى التعليم والأداء الوظيفي.

7-      تعنت الحكومة والمعنيين في استمرار العمل بنتائج الإحصاء الاستثنائي, وتطبيقات الحزام العربي العنصري.

8-   اعتقال كيفي متكرر بين الحين والآخر بحق الوطنيين الكرد وزجهم في السجون والمعتقلات وتعرضهم لصنوف التعذيب النفسي والجسدي, فضلا عن القيام بالإستجوابات الأمنية شبه اليومية بحق المواطنين الأكراد.

بلا شك, أن هكذا منهجية في التعامل مع شعبنا الكردي تتعارض على طول الخط مع متطلبات تعزيز الوحدة الوطنية لبلدنا سوريا ومشاريعها التنموية وبالتالي مع تطورها الحضاري. ليس هذا فحسب, بل تتعارض تماما مع كل الدساتير والمواثيق الدولية, بما فيها الشرعية الدولية وحقوق الإنسان وتضرب بعرض الحائط مبادئ العدل والحرية والمساواة, التي أصبحت هدفا ساميا منذ نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة.

 

السادة الرؤساء

  ليس بخاف عليكم بأن البشرية قد دخلت عصرا جديدا عنوانه الأكبر هو الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والجماعات العرقية والثقافية في ظل قيم ومبادئ العدل والحرية والمساواة, بعيدا عن الظلم والحرمان والتمييز بسبب القومية أو الدين أو الجنس أو اللون أو أي اختلاف آخر.

   في ظل هذه المستجدات, ومن أجل تعزيز موقع سوريا الإقليمي والدولي وتحديثها وتطورها الحضاري وصون منعتها في المعترك الوطني إزاء مخاطر سياسات إسرائيل المحتلة للأراضي الوطنية وموجبات إحلال سلام متوازن في المنطقة, على قاعدة انسحاب إسرائيل إلى خط الرابع من حزيران 1967, واحترام مواثيق ومقررات الشرعية الدولية, نناشد القيادة السياسية في البلاد وعلى رأسها سيادتكم الذي يقود سوريا في هكذا ظروف من تناول الملف الداخلي ومراجعة كل القوانين والقرارات التي لا تتلائم وطبيعة العصر والعمل من أجل تحقيق إنفراج سياسي يلغي الأحكام العرفية وقانون الطوارئ وذلك تمهيدا لإصلاح ديمقراطي شامل وملموس يضمن حرية المواطن في التعبير وإبداء الرأي دون خوف, وكذلك إصدار قانون لعمل الأحزاب والجمعيات وآخر للمطبوعات والإعلام من شأنه تنشيط الحياة العامة للمجتمع والدولة, وإشراك الجميع في تحمل المسؤولية, وصولا إلى بلورة مشروع دستور حضاري جديد يعبر عن واقع وحقيقة وجود تعددية ثقافية إثنية في مجتمعنا السوري, ويضمن إستقلالية القضاء وسيادة القانون والتعددية السياسية.

 

أصحاب الفخامة

   إن وجود الشعب الكردي في سوريا الذي ينوف تعداده اليوم المليوني نسمة حقيقة تاريخية واقعية, والقضية الكردية لم تزل قائمة بالرغم من كل محاولات الطمس والإنكار, والعالم يفرض منطقه الداعي لحل القضايا العالقة بالحوار والتفاهم المتبادل. وإن سياسة الإضطهاد ومثل هذا التعامل الشوفيني مع شعب يعيش منذ القدم على أرضه التاريخية لن يخلق سوى المزيد من ردات الفعل السلبية لدى جماهيرنا الكردية, ولن يسبب سوى أضرار للعلاقات الأخوية بين أبناء الوطن الواحد, في وقت ازدادت فيه الحاجة إلى مد جسور الثقة بينهم, والبحث عن طاولة كبيرة تتسع لحوار وطني شامل, وتوفي مناخ أنسب ومجال أرحب لتفاعل الآراء حول أفضل السبل نحو مستقبل أكثر أمنا واستقرارا.

لذلك نرفع لسيادتكم مذكرتنا هذه, واضعين أمامكم ضرورة فتح الملف الكردي بدلا من إبقائه في أدراج وأروقة الأجهزة الأمنية. التي تتعامل مع الحركة الكردية وكأنها خارجة على القانون, ومع الشعب الكردي كمتسللين تجاوزوا الحدود (!!) ومع القضية الكردية بالتجاهل وعدم الاعتراف بعدالتها.

  إن كل الذين تعز عليهم سمعة سوريا وكرامتها وقوتها مدعوون أكثر من أي وقت مضى للوقوف إلى جانب مصالح وأماني الشعب الكردي المشروعة وذلك في سبيل رفع الاضطهاد القومي عن كاهله والعمل على إرساء منطلقات وأسس جديدة مع الشعب الكردي وحركته الوطنية, منطلقة بادئ ذي بدء من فتح حوار جاد وصريح ومعلن مع ممثليه الحقيقيين, وصولا إلى:

1-      رفع الاضطهاد القومي عن كاهل شعبنا الكردي في سوريا.

2-      الاعتراف بحقوقه القومية والديمقراطية المشروعة.

فالوطن وطننا جميعا وكلنا شركاء فيه ومسؤولون عن مصيره وسوية مسيرته, كما كنا مسؤولين عن تحريره واستقلاله وحمايته.

 

السادة الرؤساء

  يتميز القرن الواحد والعشرين بالنمو الملحوظ لفكر وثقافة حقوق الإنسان على صعيد العالم وما يرافقه من بزوغ قواعد وقرارات واعتراف دولية, شكلت ما يشبه قانون دولي جديد, يقوم على احترام حقوق الإنسان والجماعات العرقية والإثنية, وكلنا أمل أن تحظى مذكرتنا هذه باهتمامكم بغية فتح الملف الكردي وإنصاف أصحابها وتمكينهم من ممارسة حقوقهم القومية المشروعة والعادلة.

وأخيرا لكم منا كل الاحترام والتقدير

 

منظمات أوربا لـ :   -  التحالف الديمقراطي الكردي في سوريا

-  حزب يكيتي الكردي في سوريا

-  حزب اليساري الكردي في سوريا

-  الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي)