يكيتي 78

تشرين الأول 2001

 

 

شرارة بن لادن

أحرقت الكثير من المعادلات الدولية

-والبداية مع أولى حروب القرن-

يبدو وكأن العالم قد استفاق –للتو- من آثار صدمات المواجهات العسكرية والحروب العالمية التي شغلت معظم مراحل القرن الماضي، ليعيد بناء منظوماته الاقتصادية والسياسية والعسكرية، على أسس جديدة تماماً، مع الأخذ بكل عناصر التخلص من آثار الماضي، التي كانت لها الدور الأساس في تشويه صناعة التاريخ، والجغرافيا السياسية، من لدن أصحاب القرار.

فالقرن الماضي كان قد فرض على العالم أجمع مفاهيم وأيديولوجيات معينة ومحددة لا تخرج عن إطار نتائج الحروب والاتفاقات الاستعمارية، والتي كانت أصلاً في غير صالح الشعوب، وخارجاً عن إرادتها، وساهمت في تحديد مصير الكثير من شعوب العالم على نحو مخالف لآمالها وطموحاتها الوطنية والقومية المشروعة، حتى باتت الهوة كبيرة وكبيرة جداً بين ضحايا نتائج هذه الاتفاقات والحروب الاستعمارية في «كردستان، فلسطين، جنوب السودان، أفغانستان، كشمير، الجزائر، البلقان، الشيشان.. ..» بينهم وبين صناع القرارات والاتفاقات الدولية وأدواتهم الإقليمية، في هذا الجزء من العالم أو ذاك، وكل ذلك بفعل تقسيم مناطق النفوذ بين أقطاب الصراع، بموجب سياسة المقايضات البراغماتية، إذ أصبحت مصائر الأوطان والشعوب سلعاً على طاولات مساوماتهم، لكل موقعـه الجيواستراتيجي بحسب قوة الآلــة

العسكرية التي يمتلكها، أو حجم الانتصارات التي حققتها جيوشه على أرض المعارك.

فبعد انهيار الإمبراطورية السوفيتية التي كانت من إحدى نتائج الحرب العالمية الأولى، وتفكك منظومة الدول الاشتراكية، والتي كانت بدورها من نتائج الحرب العالمية الثانية، وانتهاء الحرب الباردة، بانتهاء أسبابها، كان لابدّ لنتائج هذه الأحداث الدراماتيكية بالزوال التدريجي؛ إذ لم يبق أي معنى لكل الاتفاقات الاستعمارية، التي كانت ومازالت تمزق أوصال الكثير من الأوطان والشعوب المغلوبة على أمرها. وأخيراً جاءت شرارة بن لادن التي أشعلت الولايات المتحدة الأمريكية في واشنطن ونيويورك، جاءت بمثابة المسمار الأخير في نعش القرن العشرين الذي دفن للتو بكل تداعياته وامتداداته السلبية.

إذاً فالصراع أو الحوار سيبدأ من جديد مع بداية هذا القرن، من ضد من؟ من مع من؟ وأين وكيف؟ هذا ما يجب البحث فيه، والخوض في تبيان مفرداته، وعلى ضوء المستجدات العالمية وخلفية أولى حروب القرن ستبدأ المعادلات الدولية بالتشكل من جديد، وعلى أسس جديدة، ومقاييس الاصطفافات لن تكون تقليدية أبداً.

ومن السذاجة هنا أن نأخذ دور الذات المتفرج للأحداث؛ فجدلية العلاقة بين الذات والموضوع تبدو أكثر وثاقة من أي مرحلة أخرى من مراحل التاريخ، ولابد من أخذ زمام مبادرة التفاعل مع الجديد، للإسهام في بلورة الرؤى المستقبلية، وتمكين الولادة الطبيعية لتطعاتنا المشروعة.q

 

الحملة الأمريكية على الإرهاب لن تنجح

إن لم تقترب من معالجة أسباب ظهور الإرهاب

أمريكا بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول ليست أمريكا قبلها. هكذا يقول المراقبون. فالهجوم الإرهابي الذي استهدف رموز عظمتها الاقتصادية والعسكرية ستظل علامة بارزة في التاريخ الأمريكي، وستتذكرها الأجيال الأمريكية بكثير من الألم والمرارة. ولابد إنها ستحمل جانباً من مسؤولية هذه الفاجعة الإنسانية الرهيبة على السياسات الأمريكية في العالم.

فأمريكا، التي حاولت اختطاف الشعارات الإنسانية النبيلة كشعار حقوق الإنسان والحرية والديمقراطية، مارست في الواقع نفاقاً كبيراً في الالتزام بها على صعيد سياساتها الخارجية، فساندت الأنظمة القمعية والدكتاتورية التي تهدر كرامة شعوبها وحقوقها في الكثير من بقاع الأرض وبدوافع مصالح أنانية، وتغاضت بصلف واضح عن معاناة الشعوب التي تسعى للتحرر الوطني، وكانت نصيرة للدول الغاصبة والمحتلة، وداعمة لنزوعها العنصري والفاشي.. وأمريكا التي تتحدث اليوم عن الإرهاب، وتحاول ربطه بالإسلام، هي التي أججت –في وقت ما- مشاعر التطرف الإسلامي في صراعها مع السوفييت والمنظومة الشيوعية، وهي التي صنعت من وراء الستار بن لادن وغيره من رموز الإرهاب. إذاً أمريكا ذاتها التي تتحدث عن مكافحة الإرهاب اليوم، ارتكبت هذه الموبقات في سياستها الخارجية بحق الشعوب، وخاصة عندما تولت دور زعيمة العالم بعد تداعي الاتحاد السوفيتي والمنظومة الاشتراكية.

ستنتصر أمريكا من كل بد في أفغانستان في حربها على الإرهاب، وستتمكن من حسم المعركة بالسرعة القصوى، وإزاحة "طالبان" والقضاء على بن لادن ومعسكراته في ظل استنفارها لكل تقنيتها الحربية المتطورة، الجوية والصاروخية، ضد بلد مثخن بالجراح والفقر والتخلف. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل حقيقة ستستطيع أمريكا والتحالف الدولي المساند لها في حربها القضاء نهائياً على ظاهرة الإرهاب، واجتثاثها من جذورها؟؟ الإجابة المنطقية تقول إنها ستفشل في معالجة الإرهاب عبر الخيار العسكري وحده؛ فالإرهاب بات ظاهرة عولمية لا وطن ولا حدود لها؛ ظاهرة أوسع من تنظيم القاعدة والقوائم التي أصدرتها أمريكا كأهداف لحملتها ضد الإرهاب. والظاهرة مرشحة لمزيد من التوسع والشراسة في المرحلة القادمة إذا لم يتم تدارك الأسباب الحقيقية لنشوئها وتطورها، وخاصة أنها باتت تستحوذ على قدرات غير عادية في إلحاق الأذى بالآخرين، وخاصة بأمريكا وأوربا، بما فيه امتلاكها الأسلحة غير التقليدية ذات القدرة الواسعة على الإبادة والقتل من نمط جرثومة الانثراكس "الجمرة الخبيثة" التي تعيش أمريكا هاجسها بعد أحداث الحادي عشر من أيلول وحملتها على أفغانستان في 7 ت1 وتعرضها لهجمات قد تتسع دائرتها في المرحلة المقبلة. وخاصة إذا أدركنا بأن ظاهرة الإرهاب التي تملك إمكانات دفع الإنسان إلى الانتحار في سبيل إلحاق الأذى بالآخرين وتنفيذ عمليات في غاية الدقة والإتقان، كما حدث في نيويورك وواشنطن، وقبلها استهداف المدمرة الأمريكية "كول"، والهجوم على السفارات الأمريكية هنا وهناك، يتوقع منها فعل الكثير مما هو أخطر مما شهدته أمريكا والعالم، بما فيه خطر استخدام الأسلحة البيولوجية والكيماوية في ظل انفلات تصنيع هذه الأسلحة الفتاكة على المستوى العالمي وتسرب تقنياتها.

لذلك فإن المجتمع الدولي، وفي المقدمة منه أمريكا وأوربا، مدعو اليوم قبل الإقدام على الحلول العسكرية الارتجالية –رغم أهميتها وضرورتها- للبحث في أسباب بروز وانتشار ظاهرة الإرهاب، وخاصة في منطقتنا من خلال البحث في أسبابـــه في السياســة الخارجيــة لدوائر

القرار العالمي التي تميزت بالنفاق وغياب العدل تجاه قضايا العديد من شعوب المنطقة التي تعاني الظلم والفقر والجوع والتخلف، وثانياً البحث في المناخات السياسية المساعدة لنشوء الإرهاب ومعالجتها؛ فالإرهاب وثيق الارتباط بمناخات الاستبداد وغياب الحريات ووجود العديد من الأنظمة الدكتاتورية والقمعية المارقة التي تهدر كرامة الإنسان وحقوقه، وتمارس كل أشكال الظلم القومي والسياسي. وإن الإرهاب في مناخات تفشي الاستبداد والقمع واستلاب الحريات هو خيار الذين لا خيارات لهم.

ولذلك فإن دعم قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان  وحق الشعوب في تقرير مصيرها وتصفية بقايا الاحتلال والاستعمار والاضطهاد القومي ومعالجة قضايا الفقر والجوع والتخلف هي أمور ينبغي أن تأتي في مقدمة اهتمامات المجتمع الدولي في حربه التي ستطول ضد الإرهاب إذا كان يراد لها فعلاً تحجيم الإرهاب ومكافحته، ودون ذلك سيبقى شعار مكافحة الإرهاب ذريعة أخرى لارتكاب المزيد من الظلم والسيطرة وتحقيق مصالح سياسية واقتصادية أنانية ستدفع الشعوب فاتورتها من أمنها وأمانها واستقرارها.q

 

استمرار صمت الحركة الكردية إزاء المشاريع العنصرية

يجعلها مدانة ومتخاذلة في صفحات التاريخ

لاشك أن انبثاق الحركة الكردية في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، منذ أواخر خمسينات القرن الماضي، كان استجابة موضوعية لطموحات الشعب الكردي في أن تكون له حقوق قومية معترف بها مثل القومية العربية، لاسيما وأن الشعبين خاضا نضالا مشتركاً حتى تحقق الجلاء والاستقلال، ولم يلبث التيار القومي العربي المتشدد أن استلم السلطة وتعمد إبعاد الشعب الكردي عن القيام بمهامه الوطنية في المشاركة بإدارة البلاد والتساوي في الحقوق والواجبات، وليس هذا فحسب، بل جرى التخطيط لمشاريع عنصرية بغيضة بهدف صهر الكرد والطمس على وجودهم والتنكر لحقوقهم القومية والإنسانية، وقد نفذت هذه المشاريع في الستينات والسبعينات ومازالت مستمرة على يد سلطات حزب البعث الذي ينتهج سياسة الاستعلاء القومي والصهر تجاه الكرد.

وإذا استعرضنا موقف الحركة الكردية من هذه السياسة الشوفينية، نجد أنه كانت محاولات سلمية وتظاهرات متفرقة لاسيما في السبعينات وخاصة قبيل وبعد تنفيذ مشروع الحزام العربي الاستيطاني، ومع حصول المضايقات والملاحقات والاعتقالات من قبل أجهزة السلطة فإن سمعة الحركة بقيت حسنة بين الجماهير الكردية التي كانت ملتفة حولها بنسبة كبيرة لاسيما من الشباب المتعلم والمثقف. لكن الحركة ضعفت تدريجياً وعانت من الانقسامات والصراعات الجانبية العقيمة فضعفت ثقـــة الجماهير الكرديـة بها، ومما زاد من تحامل الجماهير على حركتها

واتهامها بالتقصير والعجز هو عدم تمكن الحركة من انتزاع أية حقوق مرسومة في برامجها أو إزالة أي مشروع عنصري عن كاهل الشعب الكردي المضطهد.

إن العمر الطويل للحركة (44 عاما) مع الاستمرار المديد للمشاريع العنصرية أبعد الحركة عن الجماهير الشعبية الكردية وأضعف أملها وثقتها بالنضال الخافت الشكلي وغير الفاعل الذي تتسم به الحركة، ذلك لأن الجماهير تدعم حركتها بلا حدود عندما تلمس مصداقيتها في النضال الجاد الثابت والمتصاعد دون تردد أو تخاذل، ولا تكترث بالحركة عندما تجدها جامدة وتدور في حلقات مفرغة ولا تمارس واجبها النضالي سوى على صفحات الجرائد الذي هو بحد ذاته على الأغلب يتسم بالغموض والرضوخ نسبيا للسياسة الشوفينية للحكومات والمتعاقبة.

والآن لنتساءل: إذا كانت الحركة قد وجدت أصلاً كأداة نضالية لإزالة الاضطهاد عن كاهل شعبنا الكردي وتأمين حقوقه القومية المشروعة، فأين حركتنا الكردية من هذا الموقع؟!

ومن حقنا أن نقول إن السبب يكمن في الحركة نفسها، وباعتقادنا إنها تفتقر إلى الجدية النضالية، وعليها أن تتبع أسلوباً جديداً في خطابها السياسي يتسم بالواقعية ووضع النقاط على الحروف في تشخيص الواقع المرير للكرد والسياسة العنصرية المقيتة المتبعة من قبل النظام وتبني الأساليب النضالية المجدية والمشروعة لإرغام السلطات على التراجع والإقرار بالحقيقة الكردية وحقوق الكرد.

وإذا كان بعض المتخاذلين في الحركة الكردية ممن يتهيبون النضال الجاد ومستلزماته، ويعملون على تيئيس الجماهير، يبدون عدم القدرة على تصعيد النضال بسبب ما يسمونه بالظروف الصعبة والإمكانات القليلة، فإن الحياة أثبتت عقم هذا التوجه ذلك أننا لو عدنا إلى الساحة النضالية للكرد في سوريا، ورغم عدم انتزاع أية حقوق، لوجدنا صفحات نضالية مضيئة ومستمرة، ولو بشكل محدود؛ فقد خاض المناضلــون الكرد مظاهـرات سلميــــة ضد الحزام العربي والتجريد من

الجنسية، وتعرضوا للاعتقال والتعذيب، وأدى هذا إلى خروج القضية الكردية من التعتيم إلى الضوء لاسيما بعد أن وصلت أعداد كبيرة من الكرد المهجرين إلى أوربا بسبب الظلم والقهر القومي والتمييز والحصار الاقتصادي. وقد بدأ هؤلاء بشرح معاناة الكرد والسياسة المتبعة إزاءهم، وبدأت المنظمات الإنسانية ولجان الدفاع عن حقوق الإنسان والقوى الديمقراطية تتفهم قضيتهم العادلة وتدعو إلى إيجاد حل سلمي ديمقراطي لها.

وكمثال على جدوى النضال الفاعل في الداخل يمكن ذكر الاحتفال بعيد نوروز القومي؛ حيث كان يمارس هذا العيد قبل الثمانينات بشكل سري، ثم شرعت الحركة بالاحتفال العلني والخروج إلى الطبيعة بأعداد كبيرة حتى شمل جميع الكرد صغارا وكبارا، ولم يحل ذلك للسلطات فأرادت اختبار تصميم الكرد على الاحتفال بعيدهم القومي، واختارت العاصمة دمشق حينما منعت أجهزة الأمن الكرد من الاحتفال في 21 آذار 1986 فما كان منهم إلا أن توجهوا بمظاهرة سلمية احتجاجية إلى القصر الجمهوري وعلى إثر إطلاق النار سقط الشهيد محمد أمين آدي، وعند دفنه في مدينة قامشلي في 22 آذار 1986 حدثت مظاهرة احتجاجية أخرى شارك فيها الآلاف. وبعد ذلك أقرت الدولة بمرسوم رئاسي الاحتفال بعيد الأم الذي يصادف أيضاً يوم عيد نوروز  21 آذار، وذلك تجنباً للاعتراف الصريح بهذا العيد القومي الكردي.

ومن هنا فإن النضال الجاد والمتصاعد، ولو بشكل سلمي ديمقراطي، يحقق نتائج هامة والأمثلة كثيرة، فحري بالحركة أن تلتزم بما تدونه في برامجها من أساليب النضال السلمي، وهي في الحقيقة تشتمل على التجمع والتظاهر والاحتجاج، لكن الحركة تؤاخذ بأنها تبقي أشكال النضال حبرا على ورق. فهل تعيد الحركة الكردية النظر في خطابها السياسي وأساليب النضال لتحظى باحترام جماهير الشعب الكردي وأصدقائه، وتبدأ بانتزاع الحقوق المشروعة أم أنها ستستمر في الصمت وترضى بأن يدينها التاريخ؟! q

 

قراءة هادئة لتصريح وزير الإعلام

ربما فاجأ البعض جواب وزير الإعلام السيد محمد عمران لصحيفة الدستور الأردنية عدد 12265 تاريخ 21/9/2001، حين سئل عن أسباب اعتقال بعض النشطاء الديمقراطيين، وأصحاب الرأي مؤخراً، موضحاً السبب ودون مقدمات بأن هؤلاء يطالبون بإنشاء دولة كردية في شمال سوريا.

إن أي تحليل سياسي لجواب السيد الوزير يقود إلى جملة استنتاجات ذات أهمية كبيرة لدى النظام، ولدى المتتبع للشأن السوري بشكل عام، ومن ثم من دائرة المفاجأة لمثل هذه التصريحات خاصة إذا علمنا أن للسيد وزير الإعلام باع طويل في مجال السياسة، ويمتلك من الخبرة ما لايمكن أن نعتبره زلة لسان في غير محله. ولعل أهم هذه الاستنتاجات:

1ً- إن هناك قضية كردية في سوريا تؤرق أجهزة النظام ولا تجد لها حلاً، خاصة وأن السياسة الممارسة حتى الآن هي سياسة الإنكار والتجاهل وتطبيق السياسات العنصرية المعتمدة أساساً على مبدأ الإذابة في بوتقة القومية العربية على الرغم من وصولهم إلى قناعة تامة بأن هذه السياسة أضحت فاشلة في عصر لم يعد فيه للحدود معنى بسبب سهولة الاتصالات العالمية وتنوعها وتعددها، إضافة إلى التقدم الكبير الذي أحرزته القضية الكردية دولياً وإقليمياً، بحيث أضحت من القضايا الحساسة والتي تتطلب البحث عن حل لها في الدول التي تقتسم كردستان (قرارات مؤتمر الاشتراكية الدولية ومؤتمر دوربان) وغيرها من المحافل الدولية الهامة، وهذه المعطيات دفعت بدولة مثل تركيا الطورانية والمغالية في عنصريتها تجاه الكرد إلى أن تعيد النظر في سياستها تلك، والبحث عن حلول لمشاكلها، وذلك من خلال السماح للكرد

بممارسة لغتهم إعلامياً (صحافة..إذاعة..تلفزيون..). ورغم أن هذا الإجراء لا يرقى إلى حل القضية الكردية في تركيا سياسيا واقتصاديا إلا أنه يعتبر أول بادرة اعتراف حقيقي ودستوري بوجود الكرد في تركيا ووجود قضية، وهذا ما يتطلب معالجة لهذه القضية؛ أي بتعبير أوضح وضعت قدمها على الرف الأول من السلم بشكل صحيح، وسوف تستمر في الصعود على الأرجح. أما في سوريا فما يزال الموضوع مشوشاً ولا يملك النظام أي تصور حوله سوى ما أكل الدهر عليه وشرب. ومن هنا بالذات يأتي التخبط الإعلامي لرجل الإعلام القدير وصاحب الخبرة على الصعيد الدولي، فالموقف الخاطئ يدفع بصاحبه إلى استنتاجات خاطئة. ومع أن الشمس لايمكن أن تحجب بغربال إلا أن وزير الإعلام حاول ذلك، ويبدو أنه سيحاول ذلك على المدى المنظور طالما يعيش النظام هذه السياسة الخاطئة تجاه الكرد.

2ً- إن اتهام هؤلاء الديمقراطيين وأصحاب الرأي بالترويج للانفصال بعيد جدا عن الواقع والمنطق السليم لسببين:

آ- إن هؤلاء الوطنيين الديمقراطيين –ورغم احترامنا الكبير لهم ولآرائهم- فإنهم لا يملكون تصوراً محدداً حول كيفية معالجة القضية الكردية في سوريا، لا بل إن قسماً منهم لا يملك أي تصور حول الموضوع، وهناك تباين كبير بيننا وبينهم حول جوهر القضية الكردية في سوريا. لذلك فالاعتقال حصل بسبب مخالفتهم للرأي مع النظام حول قضايا الديمقراطية وآلية ممارستها على الصعيد الوطني، وكذلك قضايا الفساد والاقتصاد والعولمة..الخ. وكل ما فعله هؤلاء للكرد هو السماح لبعض المثقفين الكرد بالتعبير عن آرائهم ضمن منتدياتهم لا أكثر، وهذا موقف يثنون عليه، لكن يبدو أن معادلة النظام في هذا الموضوع مختلفة تماما، إذ بمجرد طرح كلمة أو مفردة "الكردي" في سوريا في مثل هذه المحافل يعتبر من الأمور المخلة بأمن الدولة العليا ودعوة للانفصال سواء كان ذلك الشخص هو المتكلم أو الذي سمح بالتكلم. وكان الأجدر بالنظام في هذا الموضوع أن يغلف اتهاماته لهؤلاء باعتقال بعض الشبـــاب الكرد أيضـــاً كي تبدو الأمور منطقيـــة أكثر أمام الرأي العام،

ويحال الجميع إلى المحاكمة بتهمة التآمر المشترك إلى تهمة الاتصالات الخارجية وغيرها من التهم الجاهزة التي تعج بها السجلات الأمنية ولها باع طويل في هذا المجال. لقد سبق وأن اعتقل بعض الشباب الكرد عام 1992  بسبب مطالبتهم بإعادة الجنسية السورية لهم بعد أن تم تجريدهم منها عام 1962 إلا أنهم أحيلوا إلى محكمة أمن الدولة العليا بتهمة الانفصال ومعاداة أهداف الثورة، وتغيير كيان الدولة السياسي، والسبب بسيط لأن محكمة أمن الدولة العليا يفترض أن تتعامل مع قضايا كبيرة، لذلك فالأجهزة تحتاج إلى تهم كبيرة (على قدر أهل العزم تأتي العزائم).

ب- إن الحركة الكردية في سوريا –وبمختلف فصائلها- تدعو في أدبياتها وبرامجها إلى الاعتراف الدستوري بحقوق الشعب الكردي القومية والديمقراطية وأقصى ما تطمح إليه هو تطبيق الإدارة الذاتية القومية في المناطق الكردية، وهذا النموذج شكل متطور من الإدارة المحلية لا أكثر. ومع ذلك فتهمة الانفصال لم تفارقهم منذ أكثر من أربعين عاماً وحتى الآن، بدءاً بمحمد طلب هلال ومروراً بوزير داخلية الانفصال محمد رشاد برمدا وانتهاء بوزير الإعلام الحالي الذي طور المفهوم ليطال التهمة كل مواطن عربي يحاول التفوه بوجود الكرد في سوريا.

3ً- إن الغاية من هذا التصريح هو افتعال مشكلة جديدة –وإن كانت غير حقيقية- لإيهام المواطنين بأننا نعيش وضعاً استثنائياً جديداً (حالة انفصالية) وهذا ما يتطلب الاستمرار في الممارسات الاستثنائية (أحكام عرفية –قوانين الطوارئ- قمع الرأي الآخر –تعميم مفهوم الديمقراطية حسب نظرة البعث لا أكثر –أجهزة أمنية متعددة ومتشعبة الأوجه والصلاحيات....) خاصة بعد ازدياد نشاط الفعاليات الثقافية والسياسية باتجاه الضغط على السلطة بأسلوب ديمقراطي بعيداً عن العنف مطالبة إياها بإفساح المجال أمام المواطنين بالتعبير عن آرائهم بحرية بعيداً عن التدخلات السلطوية، إضافة إلى تعرية رموز الفساد في الدولة (عقد الخليوي مثلا..) وكذلك إلغاء هيمنة حزب البعث على السلطة على أن تكون صناديق الاقتراع هي الفيصل في حل الأزمة السياسية التي تعيشها

سوريا. ويبدو أن النظام لا يحبذ هذا الأسلوب من النضال الديمقراطي من قبل قوى المعارضة، وتفضل عليها الأسلوب القديم العنفي كي يواجهها بالعنف السلطوي ويتمكن النظام من إعطاء مبرر مقنع لاعتقال معارضي الرأي، ولما لم تكن مبررات الاعتقالات الأخيرة كافية لديها لذلك لجأت إلى استخدام الورقة الكردية وتهمة الانفصال وإلصاقها بأناس أبعد ما يكونون عن هذه التهمة. وشر البلية ما يضحك.q

 

نشاطات المنظمات الكردية في أوربا

منظمات الأحزاب الكردية السورية في أوربا تتظاهر أمام السفارة السورية في برلين

 

بمناسبة مرور 39 عاما على مشروع الإحصاء الاستثنائي العنصري في محافظة الجزيرة، اتفقت منظمات جميع الأحزاب الكردية السورية في أوربا على القيام بمظاهرة احتجاجية سلمية في العاصمة الألمانية برلين. اشترك فيها المئات من أبناء الجالية الكردية هناك، وطافت المسيرة بعض شوارع برلين لتتوقف أمام السفارة السورية بهدف الحصول على موقف مسؤول من المسؤولين فيها ونقله إلى القيادة السياسية في سوريا لوضع حد لمعاناة الكرد المجردين من الجنسية منذ عقود طويلة.. ولكن لا حياة لمن تنادي؛ فالسفارة وكعادتها لجأت إلى الصمت والتجاهل وكأن الأمر لا يعنيها، وهذا دليل صارخ على تجاهل المسؤولين السوريين لقضايا البلاد في الداخل والخارج.

إن توحد المنظمات الكردية في أوربا مؤشر إيجابي وموقف منطقي إزاء مأساة إنسانية قل نظيرها في العالم وينبغي أن تتكرر هذه الظاهرة لأنها تدخل في المصلحة القومية للشعب الكردي المضطهد.q

 

مرور أكثر من 39 عاما

على انتزاع الجنسية من الكرد في سوريا

لقد سعت الحكومات العنصرية في سوريا منذ تشكيل الدولة السورية وحتى الآن، للقضاء على كل تواجد غير عربي في البلاد. وبما أن جزءاً من كردستان ألحق بالدولة السورية بموجب اتفاقية سايكس- بيكو، وأن المواثيق الدولية في مجال حقوق الشعوب والأفراد، والتي تعهدت سوريا الالتزام بها، تمنح الشعب الكردي الذي يشكل القومية الثانية في البلاد، حق التمتع بحقوقه القومية أسوة بغيره من الشعوب، فقد أصبحت مسألة تذويب الكرد في البوتقة العربية والقضاء على وجودهم التاريخي –أرضاً وشعباً في البلاد- هدفاً استراتيجياً لدى الشوفينيين العرب، ودأبت الحكومات السورية المتعاقبة على تشويه الحقائق التاريخية والموضوعية المتعلقة بالشعب الكردي. وهكذا تجاهل الدستور السوري وحتى الآن وجود أكثر من 2.5 مليون كردي في البلاد.

ومع ازدياد نفوذ حزب البعث وانتشار أفكاره الشوفينية في السلطة وخارجها، اتسم النهج الرسمي بالاستعلاء القومي العربي واعتبر المواطنون جميعهم عرباً –رغبوا أم كرهوا- وانسجاماً مع المعالجة المطروحة في برنامج حزب البعث الحاكم لقضايا الأقليات في البلدان العربية والقاضية بصهرها في البوتقة العربية بعد تصفيتها ثقافياً واجتماعياً وسياسياً وبكل وسائل الترهيب والترغيب. فقد وصف محمد طلب هلال الأكراد في كتابه سيئ الصيت عام 1962 بأنهم شعب بلا تاريخ، وبلا حضارة وبلا لغة. وطالب بتهجيرهم أو تذويبهم والقضاء على وجودهم بأية وسيلة كانت.

ويوماً بعد آخر ازدادت وتيرة الاضطهاد لتشمل اللغة والثقافة والتراث والهوية القومية الكردية وحظر التنظيمات السياسية والثقافية الكردية وتعرض الجماهير الكردية لحرب نفسية لا إنسانية وإهمال اقتصادي مزمن للمناطق الكردية (الجزيرة، كوباني، جبل الأكراد) بهدف إرغام الكرد على الهجرة داخلياً وخارجياً، وتغيير تركيبها الديموغرافي، بالإضافة إلى الملاحقات السياسية والاعتقالات التعسفية وبدون محاكم للنشطاء الكرد كتظاهرة عادية في الذهنية الرسمية العربية. وتعرض الشعب الكردي إلى مشاريع عنصرية بغيضة كالتجريد من الجنسية والحزام العربي.

بموجب المرسوم 93 لعام 1962 انتزعت الجنسية السورية من عشرات الآلاف من المواطنين الكرد بتاريخ 5/10/1962 ليرتفع عددهم اليوم أكثر من 250 ألفاً –142465 حسب بيانات الحكومية السورية عام 1996- وهم محرومون من حقوقهم المدنية كاملة بما فيها الهوية والعمل والتوظيف ومتابعة التحصيل العلمي والتنقل والسفر والإقامة في الفنادق وتسجيل الممتلكات وعقود الزواج والولادات وحتى شراء سيارة أو عقار مهما كان نوعه، بل أقدمت السلطات على مصادرة بيوت المجردين من الجنسية وأجبرتهم على دفع الإيجارات. إن هؤلاء يتعرضون لأقصى تمييز عنصري في بلدهم الذي تحول إلى سجن كبير لهم؛ يعانون فيه مأساة إنسانية فريدة من نوعها في العالم منذ 39 عاماً.

أما الحزام العربي الذي تم بموجبه مصادرة الأراضي الكردية عام 1966 وتوزيعها على عشائر عربية جلبتها السلطات من مناطق حلب والرقة وأجبرت على الاستيطان في منطقة الجزيرة الكردية بمحاذاة الحدود التركية 1973/1974 بهدف حرمان الكرد من كل مصدر رزق وإجبارهم على مغادرة مناطق سكناهم التاريخية.

إن كل هذا يظهر حقيقة النهج الرسمي المتبع حيال القضية الكردية في سوريا، الأمر الذي ينافي جميع المواثيق والاتفاقات الدولية التي وقعتها سوريا، بل يتعارض مع روح العصر ومبادئ حقوق الشعوب والإنسان ورياح التغيير التي تجتاح العالم بأسره وتزمع سوريا مواكبتها.

إننا وبمناسبة مرور 39 عاما على مشروع تجريد الجنسية من الأكراد في سوريا نطالب الحكومة السورية بـ:

1-                   إعادة الجنسية إلى أصحابها والتعويض