يكيتي 76

آب 2001

 

هل نحن خارج المعادلات؟

لقد شهدت سوريا خلال السنة الأخيرة العديد من الحوارات والمداولات حول الأزمات البنيوية للوضع السوري العام- سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا- وشارك فيها العديد من المثقفين والسياسيين من مختلف الانتماءات والتوجهات. وإن كانت تلك الحوارات والمداولات مبتورة ومقموعة في أغلب مفاصلها سلطويا ولم تتناول في العمق العديد من الأزمات وتجاهلت الكثير منها، إلا أنها تعبر عن حالة، أو هي، على أقل تقدير، تؤشر لحالة لم يعد من الممكن تجاهل ما آل إليه الوضع في البلاد، كنتيجة طبيعية لهيمنة نظام شمولي حتى نقي العظم لفترة تزيد عن أربعين عاماً، ومفاعيل هذه الهيمنة على كل أوجه الحياة. وإن ما يحز في نفسنا هو أن تلك الحوارات والمداولات خلت تماماً من تناول الوضع الكردي وقضيته العادلة في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا. وأن أكثر المتعاطفين مع القضية الكردية في سوريا من كل الفعاليات والقوى السياسية والثقافية يطلبون من قوى شعبنا الكردي تأجيل البت في قضيتهم أو بترحيلها إلى ما بعد إنجاز المهام الديمقراطية العامة في البلاد. إننا نرى بأن هذا الموقف، في محصلته النهائية، لا يختلف عن موقف النظام ويصب في خدمة موقفه العنصري من الشعب الكردي. وإلا ما معنى تغييب قضية أكثر من مليوني إنسان، هم أكثر فئات الشعب السوري، سياسيا، حركية بحكم الاضطهاد المزدوج الممارس عليهم، وعدم تناولها وتلمس حلول واقعية لها، ولو في حدودها الدنيا.

إن مقولة تأجيل البت في المطالب القومية الكردية وعدم إثارتها في الوقت الراهن، من قبل “الديمقراطيين” المنتمين إلى القومية السائدة، في بنيـــة الخطاب الديمقراطي السوري واستحقاقات هذا الخطاب برنامجيــا

ومطلبيا، بحجة عدم استفزاز أقطاب النظام وعتاة القوميين العرب وعدم إثارتهم لكي تمضي الأمور بانسيابية معينة، تخفي بين طياتها إعادة إنتاج التعصب القومي البغيض من قبل هؤلاء. إننا نعتقد إن ما يستفز النظام أكثر من أي مطلب قومي كردي هو كل مطلب ديمقراطي مهما كان هامشياً نتيجة لبنيته الشمولية الخاصة التي يتداخل فيها القومي العروبي مع التكوينات المجتمعية ما قبل القومية؛ فما يهم النظام، في التحصيل الأخير من حيث كيفية التعاطي مع أية قوة سياسية أو اجتماعية أو مع أي مطلب سياسي أو غير سياسي، هو مدى ملامسة تلك القوة أو ذاك المطلب لاستقرار النظام وهيمنته.

وإن ما يوضح ضحالة وخطل مقولة تأجيل البت في المطالب القومية الكردية، راهنا، وما يبرز ما تخفيه من التباس ومراوغة هو الخطاب السياسي لتلك القوى المرتكز على مقولات عروبية أكل الدهر عليها وشرب، وكأنها تزايد على مقولات النظام العروبية. فكيف يمتلك هؤلاء المصداقية والجدية في الطرح حين يحرمون الآخرين جزءاً من الكل الذي يبيحونه لأنفسهم؟. إن مقولة أن نناضل معاً كسوريين بغض النظر عن انتماءاتنا القومية مقولة جميلة في ظاهرها، ولكنها تخفي في ذاتها إدامة الاضطهاد القومي من قبل القومية السائدة، مادام دعاتها قوميون أكثر من كونهم وطنيين، ومادام هناك اضطهاد يمارس باسم قوميتهم على قومية أخرى ولا يرفعون الصوت، أي صوت وإن كان خافتاً، لوقف هذا الاضطهاد على أقل تقدير. إن القوى الديمقراطية في البلاد، حين تريد أن تكون جادة وصادقة في مقولاتها وأطروحاتها، عليها أن تقر بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين كل القوميات وبين كل الناس. فإذا كانت القوى الديمقراطية العربية في البلاد ترى من حقها امتلاك مشروع قومي عربي لماذا تطلب من الأكراد عدم امتلاك مثل ذاك المشروع، على الرغم من أن الحركة السياسية الكردية قد حسمت خياراتها واختارت سوريا وطنا نهائيا لها، ولا تنظر إلى سوريا كوطن-محطة؟! وعلى الآخرين حسم خياراتهم أيضا؛ على الجميع الإقرار بهذا المبدأ والعمل بموجبـه. إن اختيارنا سوريا كوطن نهائي يعني في المقــام

الأول الاحتفاظ بخصوصيتنا القومية وخصوصية مناطقنا التاريخية. إننا مع أي تقارب أو اندماج بين دول المنطقة مادام لصالح شعوبها. ولكننا ضد ذلك حين يكون ذاك التقارب أو الاندماج على حساب أي شعب من شعوبها. الشعب الكردي هو شعب أصيل وليس بوافد أو دخيل على المنطقة، من حقه أن يمتلك كل الحقوق التي تمتلكها الشعوب الأخرى. وفي حالتنا السورية يجب الإقرار بمبدأ الشراكة في الوطن بين القوميتين الأساسيتين في البلاد –الكردية والعربية-. إن تغييب النظام الشمولي، على مدى العقود الأخيرة، لحقيقة وجود الشعب الكردي ومحاولاته الدائمة لصهره وتذويبه، يجب أن يكون دافعا قويا لدى القوى الديمقراطية وكافة قوى وهيئات المجتمع المدني السوري، أن تتخذ موقفا منصفا من حقيقة وجوده، والإقرار باستحقاقات هذا الوجود. ولا يعد ذلك، بأي شكل من الأشكال، منة منها على الشعب الكردي، إنما يأتي في أولويات جدية ومصداقية طرحها الديمقراطي التعددي. إنها لا تختلف عن النظام الشمولي في شيء مادامت لا تمتلك رؤية واضحة وصريحة حول حقوق الآخر المختلف قوميا. ولن تكون قادرة على الالتزام باحترام حقوق الإنسان كما تطالب مادات تغض الطرف عن الانتهاكات الفظيعة الممارسة على الشعب الكردي في سوريا، ولا تتخذ موقفا، ولو أوليا وفي حده الأدنى، بصدد الاضطهاد القومي والتمييز العنصري بحق الكرد. إن تغييب الشعب الكردي وتهميش مطالبه القومية في الخطاب السياسي للقوى الديمقراطية في البلاد، كما هو الحال لدى النظام القائم، يخلع الجدية والمصداقية عن هذا الخطاب ويظهره وكأنه يرفع ليكون بديلا شكليا للنظام القائم. إن أية محاولة لإخراج البلاد مما هي عليه تتطلب بداية رؤية واضحة ودقيقة ومعلنة لكل أزماتها وقضاياها وتلمس الحلول الواقعية لها. والقضية الكردية تأتي في سلم الأولويات التي يجب أن تتلمس القوى الديمقراطية العربية الحلول لها الآن، والاعتراف الواضح والصريح بحقيقتها كقومية ثانية في البلاد سيكون الخطوة الأولى في بداية الطريق؛ فالقضية الكردية لم تعد قضية شعب معزول في جزر معزولة.

 

الحركة الكردية

وإعادة إنتاج العجز

إن المتتبع لتطورات الحركة الكردية خلال العقد الأخير من القرن الماضي وحتى اليوم يلاحظ بوضوح البؤس الذي تعيشه الحركة الكردية في سوريا، من حيث الأداء والممارسة والخطاب السياسي المتخلف، والانقسامات غير المبررة، والمسايرة المفرطة في التعامل مع سياسة النظام المطبقة بحق شعبنا، على الرغم مما حمله هذا العقد من تطورات وتغييرات مذهلة، سواء على صعيد السياسة أو النظم أو المفاهيم والأيديولوجيا أو التكنولوجيا، لدرجة أن هذه التغييرات لامست الإنسان والفضاء والنبات، لكنها على ما يبدو بقيت في منأى عن ذهنية القائمين على مفاصل الحركة الكردية.

ولكي لا ندخل في خانة التجني ونتهم بالإجحاف بحقهم، لابد من توضيح بعض نقاط التخلف علّنا نساهم في وضع الأمور في نصابها أو ربما يكون ذلك بداية للإجابة على الأسئلة المحرجة التي يحاول قادة الحركة تجنب الإجابة عليها، نظرا لحساسيتها واستحقاقاتها (مع اعترافنا بأننا جزء من هذه الحركة ونتحمل قسطنا من المسؤولية بقدر هذا الجزء بسلبياته وإيجابياته، ولكن ما يميزنا عن غيرنا في هذا المجال، ربما هو طرحنا للقضايا على حقيقتها كما هي، لا كما يتوارب بها البعض تحت يافطة مراعاة الظروف الموضوعية أو غيرها من المبررات التي تجاوزها الزمن).

والسؤال الذي يتبادر إلى ذهن كل منا هو: هل نحن حركة تحرر لشعب مضطهد؟! وإذا كانت الإجابة بنعم، فمن هم هؤلاء مضطهدو هذا الشعب تحديداً؟ وما هي السبل الكفيلــة بمواجهـة هذا الاضطهاد، ومن ثم رفعـه؟

وهل الحركة الكردية بوضعها الراهن المعروف قادرة على العمل بهذا الاتجاه؟! لا يختلف اثنان من أبناء شعبنا حول وجود مليوني كردي يعيشون على أرضهم التاريخية التي ألحقت قسرا بالدولة السورية الناشئة بعد الحرب العالمية الأولى نتيجة صفقات استعمارية (سايكس بيكو وملحقاتها)، وبعيدا عن رغبات وتطلعات شعوب المنطقة بأسرها في الحرية والاستقلال. ومن هنا نشأت دول ذات طابع فسيفسائي من حيث العروق أو المذاهب، بعيداً عن البعد الجغرافي أو التاريخي لهذه الشعوب. ونتيجة لوحدة المعاناة هذه، تكاتفت تلك الشعوب في هذه الدول صفا واحدا في مقاومة الاستعمار وقدمت معا تضحيات كبيرة على طريق الاستقلال، ولكن ما حصل بعد الاستقلال هو استئثار القومية الأكثر عددا (القومية العربية) بمقاليد السلطة كليا، وتجاوز وإبعاد الشعب الكردي عن الحياة السياسية باستخدام كل وسائل الإكراه، خاصة منذ نهاية الخمسينات وحتى الآن، أي بعد ازدياد النزعة القومية العربية بشكل مفرط أدى بالقوميين العرب المتشددين إلى إنكار الوجود القومي الكردي في سوريا، ومن ثم رسم سياسة ذات طابع عنصري بحت، تعتمد على مقولة إلغاء الآخر وتحويله عرقيا بشكل لم يسبق أن مورس من قبل الأنظمة الاستعمارية التي كانت غايتها استغلال الشعوب اقتصاديا وبشريا، من خلال استثمار موارد بلدان الشعوب المستعمرة لآلتها الصناعية واستخدام الإنسان كيد عاملة رخيصة في المعامل أو تجنيد البشر للحروب في معارك استعمارية أخرى، لكن لم يمارس سياسة تغيير الجنس مثلما مارسه غلاة القوميين العرب؛ بدءاً بتغيير أسماء القرى والبلدات الكردية إلى تغيير أسماء الأشخاص، وتطبيق مشاريع عنصرية بحق الكرد مثل الحزام العربي، تهدف إلى إقصائهم عن المشاركة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، وبالتالي غدا الكرد أمام وضعية جديدة من العمل النضالي، وهو التمسك بالهوية القومية ومقاومة سياسة التذويب العنصرية. ونتيجة لتضحيات الحركة الكردية ونضالها خاصة في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم، استطــــاعت أن تقوض أسس هذه السيـــاســـــة. لكن الضعف

والترهل الذي أصاب الحركة منذ بداية الثمانينات أفقدها القدرة على الممارسة النضالية الحقة، وتبوأت قيادتها عناصر لم تعد تنظر إلى القضية الكردية كقضية شعب يتوق إلى التحرر من الظلم والاضطهاد الذي يمارس عليه، وبدأت بنسج فلسفة انهزامية تعتمد أساسا على تجنب أية مضايقة للنظام، تهربا من استحقاقات النضال المفترض الذي قد يتعرض القادة بسببه للملاحقة أو السجن أو التعذيب، فكان الغزل غير الشريف مع المضطهد وأدواته القمعية (الأجهزة الأمنية)، حيث أصبح تقديم الهدايا والورود بمناسبة ترفيع  ضباطها ونياشينهم وزيارة مرضاهم من قبل بعض قادة الحركة من الأمور المألوفة ومحط فخر واعتزاز من قبلهم، مقابل كلمات معسولة من قبل هذه الأجهزة لا تغني المواطن الكردي من جوع ولا ترفع عنه الغبن قط. وبذلك انتفى الطابع التحرري للحركة ولم يعد باستطاعتها العمل سوى من خلال ما يخطط أو يرسم لها من قبل تلك الأجهزة (تشكيل وفود –تقديم العرائض) فقط.

وهكذا غدت الانقسامات الشغل الشاغل لها والبحث عن وجودها الاجتماعي بين الجماهير الكردية لا أكثر، من خلال تشكيل مواكب ضخمة للتعازي وزيارة المرضى من الأصدقاء.

ولما كانت هذه الوضعية غير مجدية ولم تساعد في رفع أي شيء من معاناة الكرد اليومية، فإن الجماهير ابتعدت تدريجيا عن الحركة حتى غدت بدون مساعدة لها على ممارسة النضال الحقيقي، على الرغم من ادعاءات الحركة بأنها “تناضل بدون هوادة” من أجل الدفاع عن الشعب الكردي، ذلك أن الممارسة العملية اليومية تفند مباشرة مثل هذا الادعاء، وغدت الساحة الكردية السورية مرتعا خصبا لاستقطابات شتى (عربية وكردستانية وأمنية) بفضل هذه السياسة (الموضوعية الحكيمة؟!!)

وعلى الرغم من التطورات الكبيرة التي ذكرناها سابقاً، فلازلنا نعيش تلك السياسة السابقة وتلك الأوهام. فإلى متى نعيش هذا الماضي؟ هذا هو السؤال.

في العدد القادم نتطرق إلى السبل الكفيلة بمعالجة هذا الوضع

 

الدكتور طيب تيزيني يحاضر في حلب

ويطالب بحل القضية الكردية في سوريا

في إطار الأسبوع الثقافي الذي يقيمه المركز الثقافي العربي بحلب، بالتعاون مع مديرية السكك الحديدية، وبمناسبة مرور عام على تسلم الرئيس الدكتور بشار الأسد رئاسة الجمهورية وتحت عنوان «عام على مسيرة التحديث والتطوير» ألقى الدكتور طيب تيزيني في 30/7/2001 محاضرة بعنوان «مشروع في التطور والتحديث الوطني الديمقراطي رؤية ومنهجا» حضره جمهور غفير من الكتاب والصحفيين والمهتمين بالحياة السياسية في سوريا وتطوراتها.

تحدث في بداية المحاضرة عن المرحلة التأسيسية للمشروع التحديثي وضرورة إشراك جميع المواطنين السوريين في هذا المشروع وضمن نهج وطني وعقلاني بعيدا عن الانفعالية والمواقف المسبقة وأكد على خصوصية الوضع وتعدديته ومن ثم الإقرار بالوقائع المعنية.

وخلال المحاضرة تحدث د.تيزيني عن العديد من المشاكل العالقة في سوريا –الاقتصادية منها والسياسية والثقافية– وضرورة البحث عن حلول لها وذلك من خلال تشخيص علمي دقيق لهذه المشاكل ومن ثم إيجاد حلول على ضوء الواقع المعاش. وذكر الموضوع الكردي وخصوصية الوجود الكردي في سوريا من ضمن هذه المشاكل العالقة وضرورة حلها بالحوار والتفاهم.

وبعد انتهاء المحاضرة وبدء الحوار مع المحاضر، تقدم الكاتب والصحفي إبراهيم إبراهيم بمداخلة جريئة وموضوعية ت&