يكيتي 73

أيار 2001

 

عوامل القوة الحاسمة تستمد من الداخل

ولا رهان إلا على قوة الشعب

تعيش منطقة الشرق الأوسط ظروفا دقيقة للغاية على صعيد الصراع العربي الإسرائيلي، خاصة وأن التصعيد الإسرائيلي الخطير للأوضاع يدفع باتجاه مواجهة عسكرية مع سوريا، ويهدد العملية السلمية عموما. وهذا التصعيد الإسرائيلي يرافقه دعم أمريكي لا محدود للمواقف الإسرائيلية وممارساتها على الأرض، وما كان ضرب القوات السورية المتواجدة في لبنان إلا شارة إنذار واضحة، وتهديدا صريحا ومباشرا لسوريا.

وأمام هذه التحديات والمستجدات الخطيرة، تحاول القيادة السياسية في سوريا جاهدة في حشد الدعم والتأييد الإقليمي والدولي للموقف السوري عبر العلاقات والقنوات الدبلوماسية مع الخارج، وكانت الترتيبات التي أقيمت لزيارة البابا بولص الثاني إلى سوريا جهدا دبلوماسيا في هذا الإطار، ومن قبلها كان النشاط الدبلوماسي مع عدد من الدول العربية والأجنبية مكثفا بهدف مناقشة وتنسيق المواقف بخصوص هذا الصراع ومضاعفاته مستقبلا.

ومع أهمية هذه الجهود الخارجية –بل وضرورتها- نرى أنه من الأهمية بمكان الاستعانة بالقوة الحقيقية والحاسمة والتي تكمن في قوة الشعب السوري، وأهمية بنيان جبهته الداخلية، فالبدء بالإصلاح الاقتصادي والإداري، وإلغــاء حالـــة الطوارئ، والمشاريع والإجراءات

الاستثنائية الخارجة عن القوانين ونظم المجتمع المدني، وإطلاق الحريات الديمقراطية، والتعددية السياسية، والاعتراف بالحقوق القومية الديمقراطية للشعب الكردي وتثبيت هذا الحقوق دستوريا، واحترام حقوق الإنسان، تشكل الحجر الأساس لتوفير عوامل القوة، ومستلزمات ترتيب البيت السوري من الداخل، ليكون هذا البيت منيعا ضد أي تهديد خارجي مهما بلغ من القوة أو الغطرسة، إذ لا نعتقد أن شعبا مسلوب الإرادة في وطنه، مشلولا في معظم مفاصله الحياتية، ويعيش تحت خط الفقر، بإمكانه امتلاك أسباب القوة الكافية في مواجهة الأخطار الخارجية، ذلك لأن معادلة الحقوق والاستحقاق تحتاج إلى بعض التكافؤ النسبي على الأقل.

وهنا تجدر بنا الإشارة إلى أن مواجهة القضايا الوطنية المصيرية تحتاج إلى حلول بنيوية جذرية بدلا من المعالجات الارتجالية الفوقية أو القفز من فوق الحلول وترك الأمور على ما هي عليه، والاكتفاء بالخطابات المناسباتية الرتيبة، والتي ملّ المواطن السوري من سماعها. فالقائمون على مركز القرار وأصحاب الامتيازات يريدونها هكذا؛ فهم (ينتصرون على العدو في كل مناسبة أو من غير مناسبة ويقهرونه كل يوم) وليس من مصلحتهم أن يأخذ الشعب بيده مبادرة تحدي الأخطار الخارجية التي تواجه الوطن، لأن معارك التحدي المصيرية ستحتاج إلى استثمار مقدرات وطاقات وطنية كبيرة، وهذا ما سيؤدي إلى تقليص حجم امتيازات هذه الفئة، وبالتالي تبدو وكأن المعركة تمول من أرصدتهم أو على حسابهم. ومثل هذه الفئات تساهم بشكل كبير ومباشر في خلق كل ما يسيء للوطن، ويثير الخلاف بين أبناء الشعب ذي الانتماءات المختلفة، فهي تستفيد من الأزمات السياسية والاقتصادية التي تعصف بالبلد، بل تعيش على وجود هذه الأزمات؛ فهي تستمد قوتها من مناخات التوتر وعدم الاستقرار، لذا كان لهذه الفئة اليد الطولى في وقف ما سمي بالإصلاح ومحاربة الفساد، وهي لم تعتد إلا على العمل في أجواء ضبابية مشوشة، أجواء اللا حلول والمشاكل العالقة.

وأخيرا، نعتقد أنه إذا كان هناك سبيل للمراهنات، فلنراهن على قـــوة

شعبنا بتوفير مستلزمات القوة أولا، بدلا من بعض المراهنات الإقليمية الخاسرة، والتي هي في غير سياقها الصحيح؛ إذ من المفارقة مثلا الاعتماد أو المراهنة على النظام العراقي الذي ارتكب بحق العراق والعراقيين أبشع المجازر في تاريخ البشرية، فهل نتوقع منه المناصرة والدعم، كما فعلها مع اخوته في الكويت؟؟!!.

لا نظن أبدا أن هناك سلاحا أكثر فعالية ونجاعة من قوة وعظمة الشعوب عندما تدخل معارك البناء والدفاع عن أوطانها.

إذاً، فلنبدأ بالإصلاح السياسي والإداري والاقتصادي ومحاربة الفساد.

 

جريمة قتل نكراء

في أواخر نيسان 2001 حدثت جريمة بشعة تقشعر لها الأبدان؛ فقد أقدم كل من المدعو عبدالرزاق محمد داوود الملقب بـ(عنتر)، والمدعو هيثم أحمد شيخ زين على الغدر بصديقهما الشاب المرحوم مسعود محمود بن ملا محمد، حيث استدرجاه من مدينتهم "القامشلي" إلى جنوب مدينة الحسكة فرب سد على نهر الخابور، وأطلقا عليه النار خلسة من بندقية صيد، ثم قاما بإخفاء الجثة تحت الأرض والاستيلاء على مبلغ من المال، وبعد ذلك قاما ببيع سيارته، وقد قدرت المبالغ التي استلباها بأكثر من 500 ألف ليرة سورية، وللتمويه على فعلتهما حاولا السفر إلى الخارج. ورغم مضي 12 يوما  على بقاء الجثة مخفية فإن القاتلين لوحقا، وخلال التحقيق اعترفا بجريمتهما النكراء. وقد أدان الرأي العام في المنطقة هذه الجريمة وطالب السلطات القضائية بتنفيذ حكم القانون تحقيقا للعدالة وحماية للمجتمع من العابثين بأمنه. إن هذه الجريمة غير مبررة، فطالما أن هدف الفاعلين كان الحصول على المال، لم تكن هناك ضرورة لإزهاق روح إنسان لم يرتكب ذنبا، بل كان صديقا يوميا لهما.

للفقيد الرحمة ولذويه الصبر والسلوان. وإننا نضم صوتنا إلى أصوات المطالبين بحكم عادل ونزيه بعيدا عن أية اعتبارات. وإن تنفيذ حكم القانون بشكل عادل يؤمن التوازن في المجتمع ويحول دون حدوث الثأر والانتقام.

 

سوريا

بين خريف حاضر وربيع يعاق عن الحضور

لقد ساهمت الشعوب، التي تتشكل منها سوريا، مساهمات عظمى في مسيرة الحضارة العالمية، وقدمت خدمات وأعمالا لا يستهان بها للإنسانية جمعاء. فالمدنيات التي أسستها هذه الشعوب كان لها أبلغ الأثر في التطور الحضاري الشرق-أوسطي والعالمي على مر التاريخ، وما غنى سوريا بالمواقع الأثرية الهامة إلا دليل على ذلك. ولم يتعثر العطاء الحضاري والإنساني لها إلا في مراحل تاريخية معينة، إما بسبب أنظمة  حكم متعسفة ابتليت بها شعوب المنطقة أو بسبب احتلالات غاشمة لها مثل آخر احتلالين: العثماني والفرنسي. على الرغم من أن السوريين قد قدموا أنصع آيات البطولة والنضال في المقاومة لمثل هذه الاحتلالات وأنظمة الحكم، إلا أن الاحتلالين المذكورين عرقلا تطور المجتمع السوري وأثرا على مسيرته المستقبلية بجعله تربة موائمة لأنظمة حكم استبدادية. ففي الوقت الذي كان من المؤمل فيه أن يستعيد الشعب السوري بأطيافه القومية والاثنية والدينية المتعددة دوره الحضاري وأن يواصل عطاءاته في فضاء أرحب، حين توج نضاله وصبره الطويلين، أخيرا، ببناء كيان وطني مستقل اسمه: سوريا، إلا أن ربيع هذا الشعب لم

يكن طويلا أبدا، فسرعان ما ابتلي بأنظمة حكم شمولية ودكتاتورية سدت الآفاق أمامه ثانية، وضيقت عليه الخناق، وجعلت من سوريا حديثة التكوين كدولة من أقصاها إلى أقصاها ساحة للظلم والعسف والكآبة.

في مناخ اجتماعي وسياسي كهذا، انبثقت حركات اجتماعية وسياسية، تحمل معها الكثير من اختلالات الواقع الاجتماعي، أصبحت حاملا مجتمعيا، بحكم الضرورة، للنزوع نحو التحرر والانعتاق من القيود والاختلالات المجتمعية، إلا أنها –لتخلف بناها الاجتماعية، ولضعف عمقها الجماهيري وهامشية دورها، ولافتقارها إلى رؤى إصلاحية استشرافية منبثقة من المحددات الملموسة للتكوين المجتمعي السوري- اختزلت نفسها ودورها في الاستيلاء على السلطة والمجتمع وبأي شكل كان، وكأن الاستيلاء على السلطة والحكم غاية بحد ذاتها، فتوجهت بخطابها وممارساتها إلى مؤسسة الجيش على اعتبار أنها أكثر المؤسسات تنظيما وقوة، إن لم نقل الوحيدة، في مجتمع لم تتكون مؤسساته المدنية بعد، بالشكل الملموس، بحيث تكون فاعلة ومؤثرة في معادلات الصراع الاجتماعي والسياسي، ونتيجة لما كان يقوم به الجيش من دور سياسي متعاظم في ظل انقلابات عسكرية متتالية، ولم تتوجه إلى المجتمع وشرائحه وطبقاته الاجتماعية التي تنطحت للنطق باسمها، وجعلت من نفسها تعبيرا سياسيا عن مصالحها الاجتماعية والسياسية انطلاقا من ذهنيتها التي تشكلت بفعل عوامل تكونها التي أشرنا إلى البعض منها، على اعتبار أن أقصر طريق للوصول إلى السلطة هي طريق العسكر، بغض النظر عما ستؤدي إليه هذه الطريق من نتائج وخيمة على التطور الاجتماعي والسياسي للبلاد. وحين استولت على السلطة بانقلابها العسكري قوضت البنى الاجتماعية المدنية مع العلاقات الاجتماعية السائدة. لقد كانت تلك البنى قد بدأت تتشكل ببطء وبشكل متعثر أصلا، نتيجة تخلف العلاقات الاجتماعية، وعدم استقرار الوضع السياسي العام في البلاد، بسبب الانقلابات العسكرية المتكررة، فقامت بتغييب النخب والجماهير، وبتصفية الفعاليات الاجتماعية والسياسية والاقتصاديـــة في البلاد متذرعـــة بالمشروعيــــة الثوريـــــة لمشروعها

 (النهضوي الثوري) (الذي سيحرق المراحل التاريخية ويصل بالبلاد إلى مصاف الدول المتقدمة). وقد كان المناخ العالمي ملائما لها نتيجة صراع المعسكرين العالميين واستقطاباتهما الدولية، وصراع الشعوب والطبقات الشعبية من أجل إزالة الاضطهاد القومي والطبقي، مما كان يعطي المشروعية لهكذا توجهات بغض النظر عن مصداقية حامليها أو مصداقيتها بحد ذاتها.

إن ما حصل في سوريا في ستينات القرن المنصرم، وخاصة في المرحلة التي تلت استيلاء حزب البعث على السلطة في 8 آذار 1963، إنه تم تقويض البنى الاجتماعية التي كانت سائدة وأعيق تطورها، واستعيض عنها ببنى اجتماعية جديدة تتسع فيها دائرة الاستلاب المجتمعي وعسف علاقاتها الاجتماعية بترسيخ النظام السياسي القائم، وخاصة بعد انقلابه الكامل على الحياة السياسية والحزبية في البلاد، وبالتالي غياب أي نوع من الرقابة الاجتماعية على ممارسات السلطة والناطقين باسمها. هذا الوضع أدى إلى بروز فئات اجتماعية طفيلية، نمت بسرعة هائلة، تتميز بهمجية المسلك ورعونة الموقف، على عكس الطبقات الاجتماعية السائدة سابقاً. وفي ظل يافطة (نحو بناء مجتمع الطبقة الواحدة) كان يتعمق الفرز الطبقي الجديد، وتتراكم رساميل هائلة في أيدي الكثير من المتنفذين في السلطة، حتى أن حزب البعث لم يستطع أن يدير عملية استئثاره بالسلطة بشكل اعتيادي وانسيابي نتيجة تغييبه الكامل لأية ممارسة ديمقراطية، ليس داخل المجتمع فحسب، وإنما في جسمه التنظيمي أيضا، فكانت انقلاباته المتكررة على ذاته وبين رموزه وأجنحته المتصارعة. فالصراع كان يأخذ شكل الانقلاب العسكري البحت أحيانا، وشكل التصفيات الداخلية والتطهيرية أحيانا أخرى، ولم ينته أي صراع فيه دون إقصاء أحد القطبين. وكنتيجة لهذا الوضع: - تصفية الحياة السياسية والحزبية. ­- تمييع كل ما من شأنه أن يستقطب الناس عن طريق تبنيه وإفراغه من مضامينه الحقيقية.®- جعل المؤسسة العسكرية الجزء الأهم في بنية النظام وتطهيرها من كل ما هو غير بعثي، أو كل ما قد يشكل «خطـرا» مستقبليــا. تم العمل على

بعثنة المجتمع السوري، بكل أطيافه القومية والمجتمعية عن طريق خلق مؤسسات اجتماعية شبه عسكرية، ابتداء من منظمة شبيبة الثورة وفصائلها المسلحة والامتيازات التي منحتهم «الأفضلية» في الجامعات والتوظيف، وانتهاء بكل النقابات والمنظمات الشعبية الأخرى. حتى أن التخريب المجتمعي شمل الأطفال أيضا، عن طريق منظمة طلائع البعث، التي ترسخ في أذهان الأطفال -الذين لا تتجاوز أعمارهم اثني عشر عاما- مفاهيم ومسلمات مطلقة لا تاريخية، وتماهي في ذاكرتهم بين الوطن والحزب، أو تختزل الوطن في الحزب.

وإن ما ساعد على إدامة وضع كهذا، بالإضافة إلى المناخ الدولي الملائم، هو أولويات الصراع مع العدو الإسرائيلي، التي جعلت الكثير من الاستحقاقات المجتمعية تؤجل بسببها، على الرغم من أن تأجيل تلك الاستحقاقات جاءت لصالح العدو الإسرائيلي؛ فمن ضرورات المواجهة مع عدو شرس كإسرائيل أن تكون الجبهة الداخلية متينة، وأن الصوت الواحد الممجوج لا يُعَدّ –بأي حال من الأحوال- أن كل الجماهير في صف واحد كما يظهر على السطح. إن إنسانا يملك خياراته الحرة قادر على المواجهة أكثر من أي إنسان آخر يكون أسير رؤى وإرادات أخرى حتى وإن كانت صائبة ومثالية.

إن التغييب والتهميش المجتمعي الذي حصل في البلاد لم يطل فقط القوى السياسية في المجتمع السوري، وإنما طال أيضا كل أطياف المجتمع السوري، وكل شرائحه وقومياته؛ فعلى مذبح العروبة وتعريب الحجر والبشر في البلاد، تم تغييب القوميات والاثنيات الأخرى في البلاد، ومورس بحقها كل أشكال الاضطهاد القومي، وبخاصة بحق شعبنا الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا. فمن سياسات تغيير ديمغرافية المناطق الكردية –تعريب أسماء المدن والقرى والأماكن، وبناء تجمعات استيطانية- وطمس المعالم الحضارية والاجتماعية، وكل ما يتعلق بالوجود الكردي التاريخي في مناطقه التاريخية، إلى الاضطهاد القومي والعنصري البغيض بحقه، والمحاولات الممنهجـــة لصهره قوميـــا، وتهميشـــه اجتماعيا واقتصاديا

وسياسيا. وحين تم تغييب الآخرين باسم العروبة تم تصنيم العروبة كجسد هلامي لا أبعاد له.

لقد آن أوان تقليص أيام خريف سوريا الطويل، وآن الأوان لأن ينعم الشعب السوري بربيع لا تغيب عنه شمس الحرية والديمقراطية. إننا في مفترق طرق شائك ومفصلي. يجب أن يعاد الاعتبار للوطن السوري كوطن لجميع أبنائه، وأن يعتق من اختزاله في الحزب القائد للدولة والمجتمع، وأن تبنى المؤسسات الوطنية الحقيقية في البلاد، تمارس السلطة بكل معنى الكلمة، لا أن تكون واجهات للاستهلاك المحلي والدولي. وأن يعتق المواطن من كل ما يحد من مواطنته وإنسانيته، من هيمنة الأجهزة والمؤسسات أحادية الصوت، مثل القوانين والتشريعات التي تهدر كرامته: قانون الطوارئ، والأحكام العرفية، والقوانين الاستثنائية الأخرى، ومن سطوة الأجهزة الأمنية التي لا يحدها أي قانون أو يسنها أي تشريع، وأن يتم الاعتراف بحقيقة الشعب السوري بكل فسيفسائه القومي والاثني والديني، وأن يتم تجسيدها قانونيا وممارساتيا. وأن يكبر المواطن بحجم الوطن وأن يعظم الوطن بحجم كرامة المواطن.

إننا نعلم أن خريفا امتد قرابة أربعة عقود قد حمل معه الكثير من القوى والشرائح الاجتماعية التي تطورت متماهية ببناه وعلاقاته، وأن من مصلحتها الآن أن تعمل بكل ما أوتيت من قوة –وقوتها لا يستهان بها- على إدامة هذا الخريف الطويل، وأن تقف بوجه كل من يريد أن يخرج البلاد إلى النور والعلنية والشفافية، ونعلم أيضا بالضد من ذلك أن المناخ الدولي والمحلي الذي كان يساعد على إدامة وضع كهذا، لم يعد كذلك، فالمتغيرات الدولية والداخلية لم تعد موائمة بأي شكل من الأشكال على استمرارية هذا النهج من الحكم؛ لأنها قد أوصلت البلاد إلى المفترق الحرج، وهذا المفترق له استحقاقاته العاجلة، مطلوب منا جميعا أن نعمل دون تردد قبل فوات الأوان.

 

 حيث لم يعد ثمة جلد، هل يمكن للشعر أن ينبت

مثل صيني

مع انتشار العديد من النوادي السياسية والثقافية، في الآونة الأخيرة، في سوريا، وبمشاركة نخبة من الكتاب والباحثين والناشطين السياسيين الذين بدا لهم أن الحياة السياسية في البلاد أخذت تتفاعل من جديد، بعد ركود سياسي، اقتصادي، اجتماعي، ثقافي دام طويلا، ويقينا منهم بأن الحوار رفيق المعرفة، شقيق الديالكتيك، وأن الخطابات الإقصائية أنساق لإنتاج العنف، حيث ثبت بالتجربة أن بلدان الأحزاب الوحيدة جميعا أصيبت بالفشل والركود، مما حدا بهؤلاء المثقفين للبحث عن سبل الخلاص من المأزق الراهن، وعلى مختلف الصعد وذلك بالدعوة إلى تأسيس وعي ديمقراطي يؤمن بالتعددية واحترام الرأي الآخر، وبمشاركة الشعب الحقيقية في صناعة القرارات، لأن التجربة التاريخية لأية أمة هي جملة المشاكل والإخفاقات، والمسائل التي عليها أن تواجهها، وهي بالتالي إجماع حركة كل الشعب على كل المستويات والأصعدة، انطلاقا من إيمان راسخ بأن الإنجازات الوطنية ثمرة نضالات الشعب لا الأفراد، فكانت الدعوة إلى الديمقراطية، وإلى حوار وطني شامل، وإلى إحياء مجتمع مدني، وإلى ما هنالك من  سبل، وتحت مسميات عديدة، تعبيرا عن حالة من القهر والاضطهاد والإحساس بالدونية والتهميش، فكان لابد من عملية إصلاح شاملة تشارك فيها جميع قوى المجتمع من أحزاب ونقابات وشخصيات، يرافقها إحياء مؤسسات اجتماعيــة مدنيــة رديفـــة متحررة من هيمنـة السلطة التنفيذية والأجهزة

الأمنية التي منحت نفسها معظم الصلاحيات، ويسبقها بالضرورة إصلاح سياسي دستوري شامل، نحو: وقف العمل بقانون الطوارئ، وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتسوية أوضاع المحرومين من الحقوق المدنية، وإطلاق الحريات السياسية، وقوننة الحياة المدنية والسياسية، وإعادة العمل بقانون المطبوعات، واستقلال القضاء…الخ.

ولكن قوى المجتمع التقليدية المناوئة للإصلاح والتغيير، وكما هو متوقع منها، استنفرت مستخدمة أسلحتها المعروفة دفاعا عن مكاسبها الشخصية، وبدأت من جديد بحملات التكفير والتخوين المعهودة ضد أولئك المثقفين. الملفت والمحزن في الواقع هو تردد صدى «كورسهم» ممن يحسبون على القوى التقدمية بإيقاع أبلغ وأبين في الهجوم، وكيل الاتهامات السوقية الرخيصة لدعاة المجتمع المدني والديمقراطية بلغة أقرب إلى الإنشاء والبلاغة المعدة سلفا، منها إلى الواقع، فهم كـ«ماركسيين» نسوا بأن الكلمة مسؤولية تعبر إما عن فعل أنجز أو ينجز، وانبروا بعد أن لاح لهم الضوء الأخضر للدفاع عن حياض الوطن وصونه من «المضللين» الذين يستوردون أفكارهم من الغرب الرأسمالي، ودعوا إلى تجنيب الجماهير العاملة من عواقب هذه الأفكار الرثة وحمايتهم من الانحراف والمنحرفين (على حد زعمهم).

وصور بعضهم الدعوة إلى مجتمع مدني شكلا من أشكال الهجوم الفكري الإيديولوجي الطبقي على الماركسية، ونعتوهم بدعاة استقلال المجتمع عن الدولة بدعوتهم لحرية المنتديات ودور النشر وحرية تشكيل الأحزاب والنقابات…الخ، كما اعتبروهم من خلال دعوتهم للديمقراطية بأنهم يشنون هجومهم على الماركسية بشخص الدولة الشمولية، ووصف بعضهم الدعوة إلى تأسيس وقوننة تلك المؤسسات المدنية بأنها دعوة إلى قوننة آليات استغلال وسطو على جهد الآخرين وعلى ثروات الوطن، هدفها تصفية الجبهة وأحزابها، وترمي من وراء ذلك إلى إحكام قبضتها على القرار الاقتصادي تمهيدا لإحكام قبضتها على القرار السياسي. وذهب بعض هؤلاء «التقدميين» أبعــد من ذلك؛ فأبـــدوا تخوفهم من أن

يتحول شعار المجتمع المدني إلى غطاء يختفي وراءه أقطاب المافيا والمرتشون والمفسدون ودعاة العولمة والمروجون للخصخصة…الخ، ولم يبق سوى أن يحملوهم جميع مآسي وإخفاقات الأمة خلال العقود الماضية، هكذا من باب المزاودة إرضاء لأصحاب الأيادي البيضاء عليهم.

إن كل هذا التهويل المفتعل -الذي لا يستند إلى دليل مادي-، وتأليب «أولي الأمر» على المثقفين الوطنيين الشرفاء الحريصين على تقدم البلد وازدهاره وصون كرامة المواطن، ثم الاستقواء بالآخرين والتحول إلى أبواق لكيل الشتائم وتوجيه الاتهامات، لدليل على تقزم هؤلاء المتسلقين وافتقارهم إلى الشجاعة والقدرة على تشخيص واقعهم بموضوعية، وعجزهم عن طرح الحلول المناسبة والضرورية للخروج من الأزمة، ولأنهم دجّنوا وأفرغوا من محتواهم النضالي، فقد غاب عن بالهم أن هذا الخط المتصالح والنهج الامتثالي المهيمن عليهم هو السبب الرئيس لكل هذه الانقسامات التي حلت بهم، وكان الأولى بهم أن يرثوا لحالهم، وأن يعودوا جنودا أوفياء لمبادئهم التي يتشدقون بها في سجالاتهم السياسية وتناحراتهم الداخلية، وأن يرقوا بتفكيرهم للانعتاق من قيود الإيديولوجيا الجامدة المسيطرة على تفكيرهم، لأن التطور الفكري للشعوب يتلخص في انتقالها من الإيديولوجيا إلى الحقيقة الواقعية ووعي الواقع كما هو حقيقة لا كما هو متخيل، وهذه هي بداية المواجهة العقلانية، حيث ينبغي أن نخرج رؤوسنا من الواقع لا أن نخرج الواقع من رؤوسنا.

إن الوعي التاريخي الزائف لهؤلاء، والذي يسبح في الإيديولوجيا، عاجز عن تقديم تقييم نقدي أو حكم واقع لحركتهم وواقعهم، الأمر الذي يكشف، ليس فقط، عن تأخرهم عموما، بل أيضا عن وعيهم الزائف لمشكلات الحاضر، وبالتالي عجزهم عن تصور مشروع إصلاح وتحديث أو تغيير للمجتمع يعانق العصر، فيجدون أنفسهم منساقين بصورة عفوية إلى تركيز اهتمامهم على الخارجي (الإمبريالية، الاستعمار، الصهيونية) دون الالتفات إلى تطوير الداخل، ثم يستريحون بكل بساطـــــة من عنــاء البحث والتحليل، ويتخلصون من تأنيب التاريخ

والضمير معا بعد أن علقوا مشاكلهم على مشجب الآخرين، وهم يدركون تماما بأن الاستعمار نتيجة –بسبب تأخرنا الإيديولوجي تاريخيا- وليس سبباً. فإلى متى سنظل نتذرع بنظرية المؤامرة ونتهم بعضنا بالارتباط والعمالة لأمريكا وللغرب إزاء كل مطلب وطني ينشد الديمقراطية والحرية واحترام حقوق الإنسان، وإن كان باسم مؤسسات المجتمع المدني التي تعتبر البنية الأساس «التحتية» للدولة الحديثة وفق المنظور الماركسي، ولو كانت نشأتها تاريخيا في الغرب لاعتبارات موضوعية لسنا بصدد بحثها هنا. ثم كلنا يسلم بأن اللينينية نفسها ليست رفضا للغرب، بل للحظة من لحظاته. ثم كيف تمرر مثل هذه المؤامرات الخارجية المزعومة وتحقق أهدافها إن لم تلق التربة الخصبة لانتعاشها، وما على هؤلاء المحتمين والمتزلفين سوى الانزلاق إلى التحليلات التبريرية، والسكوت عن الأسباب البنيوية والإيديولوجية والسياسية التي أتاحت الفرصة للتدخلات والخروقات والمؤامرات (على حد زعمهم) بالمرور؟! وفي الوقت الذي يفرض عليهم واجبهم الوطني الاستعجال في لم الشمل ورص الصفوف لإعادة ترتيب البيت من الداخل والوقوف الجدي والجاد عند الأسباب والمسببات ينبري هؤلاء (التقدميون) مستخدمين أساليبهم الديماغوجية ضد الأصوات الجريئة التي تلمس الجرح وتصف الدواء، وكأنهم يجهلون بأنه حتى الطرح الماركسي –عربيا- لم ينضج بعد بخصوص المجتمع المدني والديمقراطية، حتى يعتبروا أنفسهم أوصياء، ومستودعا للحقيقة، وكل من يخالفهم الرأي منحرفون وعملاء للخارج، ويدعون لاستئصالهم «أصحاب الرأي الآخر» فيعودون بالذاكرة إلى حملات التطهير الرهيبة دفاعا عن الحزب الواحد، والرأي الواحد، واللون الواحد زمن ستالين.

وكفى بما حل بالاتحاد السوفيتي السابق شاهدا وواعظاً لأصحاب هذه الأقلام من المدلسين. .

 

القرارات الارتجالية والمزاجية

لن تسعف الحكومة

في إيجاد حلول لمشكلات اقتصادنا الوطني

المعطيات التي تقدمها حكومة الدكتور محمد مصطفى ميرو، وبعد أكثر من عام على تسلمها مهامها، تقول إنها بعيدة عن تأمين المعالجات الجدية لمشكلات الاقتصاد الوطني المتهالك في معظم جوانبه.

والآمال التي عقدت على هذه الحكومة بدأت تتبخر بسبب الأداء المرتبك والسيئ، والقرارات الارتجالية التي تزيد الأوضاع تعقيدا وتدهورا، الأمر الذي يؤكد ما توقعناه من هذه الحكومة منذ البداية عندما قلنا إن اختيار هذه التشكيلة الوزارية اختيار غير موفق لأسباب عرضناها حينها، وكان أهم تلك الأسباب:

أولاً: إن رئيس الحكومة –وبما يعرف عن إمكاناته- ليس الرجل الذي يمكن أن يقود الاقتصاد الوطني نحو المعافاة ونحو التحديث والتطوير، لأنه اختبر محافظا في أكثر من محافظة في البلاد لم يقدم خلالها شيئا مقنعا، بل كان الأكثر تعرضا للانتقاد خلال فترة وجوده كمحافظ، وبالتالي كانت مساحة التفاؤل –بأنه سيكون قادرا على تحقيق النهوض بالاقتصاد الوطني وهو على رأس الحكومة- ضئيلة؛ إن لم نقل معدومة.

ثانياً: إن قسما من أفراد الطاقم الحكومي كان في تشكيلة حكومة الزعبي، وبقوا محتفظين بحقائبهم /الاقتصاد، المالية/ رغم أنهم كانوا يتحملون قدرا من المسؤولية عما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلاد.

لن نتوقف عند معطيات الأداء الحكومي السيئ على الصعيد الاقتصادي العام، وبقطاعاته المختلفة، إذ يكفي أن نأخذ القطاع الزراعي نموذجا، لكي نقدم الصورة الواضحة عن الأداء الحكومي، ومدى ارتباكه وتخبطه.. فهذا القطاع، وعلى أهميته الاستراتيجية في تحقيق الأمن الغذائي الذي يتوقف عند حدوده الأمن القومي العام للبلد، هو أكثر القطاعات عرضة لاختبارات القرارات الحكومية الارتجالية غير المدروسة والمتناقضة. فمنذ تسلم الحكومة مهامها وثمة إرباكات شديدة تؤثر بصورة كارثية على مختلف جوانب النشاط الزراعي؛ فالقرارات التي تصدرها الحكومة والمجلس الزراعي الأعلى لا تعرف مستقرا لها؛ فالقرار الذي يتخذ اليوم يلغيه قرار يصدر في الغد، ونتيجتها المزيد من الحيرة والقلق لدى الناس الذين لم يعودوا يعرفون أي قرار سيبقى وأي سيصار إلى إلغائه. وبين هذه القرارات وتلك يبقى النشاط الاقتصادي معلقا بين السماء والأرض. وقائمة تلك القرارات تطول، تصعب الإشارة لجميعها، وسنكتفي ببعضها في محافظة الحسكة التي تعتبر الخزان الأساس للإنتاج الزراعي؛ فمثلا تذرعت الحكومة السابقة ردحا من الزمن، والحكومة الحالية بداية ولازالت، بانخفاض منسوب المياه الجوفية، وخطورة نضوبها، فمنعت حفر المزيد من الآبار لاستجرار المياه، وتذرعت أيضا بأن الحفر العشوائي للآبار –التي كانت هي التي تمنح تراخيصها- كان السبب في انخفاض منسوب المياه وانقطاع جريان نهر الخابور وفشل مشروع سد الخابور الذي صرفت الحكومة عليه مليارات لا تحصى من الليرات السورية ودون جدوى. لكننا نجد الحكومة الحالية تعود وتقرر منح تراخيص حفر آبار يفوق عددها أضعاف أعداد الآبار السابقة؛ الأمر الذي يضعنا أمام حقيقتين كلتاهما مدعاة للسخرية، الأولى: إما أن مزاعم الحكومة كانت مزاعم جوفاء، وأن الآبار لم تكن السبب في انقطاع جريان الخابور وانخفاض مستوى منسوب المياه الجوفية، وهو الاحتمال الأرجح، لأن العديد من الدراسات غير الرسمية تقول إن مصدر المياه الجوفية في المحافظة هو الأراضي التركيــــة، ولذلك لا يتأثر منسوب الآبار الموجودة عندنا، وبالتالي يكون

من الخطأ منع أبناء المحافظة من استجرارها والجانب التركي يشجع مواطنيه على استجرار هذه المياه على طول حدودها مع هذه المحافظة.

الحقيقة الثانية: إما أن هذه الحكومة كسابقاتها لا تملك دراسات علمية عن احتياطي المياه الجوفية في هذه المحافظة، وبالتالي يكون من المعيب أن لا تملك الحكومة مثل هذه الدراسات ولديها كل الإمكانات والكوادر. ومن المعيب أيضا أن تسير عجلة القطاع الزراعي وعجلة القرارات على بركة الله دون دراسات وتخطيط مسبق. والذي يبدو أن هذه هي الحقيقة، ويبدو أيضا أن جميع القرارات تتخذ بصورة عشوائية وارتجالية في ظل  افتقاد الحكومة لهذه الدراسات. ونعتقد أن لرئيس الوزراء دور أساسي في اتخاذها، فهو يعتبر نفسه الخبير بشؤون المحافظة، حيث كان فيها محافظا لسنوات طويلة مرت المحافظة بعهده في أسوأ مراحلها من حيث الإهمال وتدني مستوى الخدمات وما إلى غير ذلك.

وفي السياق ذاته تأتي القرارات القاضية باعتماد وسائل الري الحديثة /التنقيط، الرذاذ/ في المحافظة. ومع أننا لسنا ضد اعتماد هذه الوسائل لكن الأمر السيئ والخطير هو أن يصار إلى اعتماد وصياغة هذه القرارات ضمن الغرف الفارهة دون وجود دراسات ميدانية وتجارب تبين مدى نجاعة ونجاح هذه الأساليب الحديثة في الري، والتي تتطلب شروطا كثيرة لم تأخذها القرارات الحكومية هذه بعين الاعتبار، منها: نوعية التربة وحجم احتياجها المائي ونوعية المياه ومدى ملاءمتها للتنقيط والرذاذ، إضافة إلى  ذلك درجة الخبرة والمعرفة المتوفرة، سواء لدى الكوادر التي تملكها مديريات الزراعة أو لدى الفلاح المزارع لتطبيق هذه الوسائل الحديثة في الري، والتي دون مراعاتها ستبقى العملية كلها مجازفة غير محسوبة النتائج، وستكبد المواطنين أموالا لا طاقة لهم عليها في غياب أية ضمانات لنجاح هذه الطرق، الأمر الذي جعل أبناء المحافظة –ومنذ اتخاذ هذا القرار- يعيشون حالة من الرهبة لا حدود لها جراء ما قد يخبئه لهم مثل هذا القرار الارتجالي غير المدروس، خاصة وأنه ليس لدى الحكومة ما يقنع الناس بجدوى طرق الري هذه،لاسيما وأنــــه لم يسبق للمحافظــــة أن شهدت تجارب من هذا

النوع، ولذلك بات يتردد بين الناس بأن الحكومة بمثل هذا القرار المجازف إنما تقصد إفادة بعض الفاسدين والمنتفعين الذين يتهيأون لجني أرباح طائلة من وراء تجارة مستلزمات شبكات الري بالتنقيط والرذاذ على حساب بؤس وشقاء الناس الذين باتوا على يقين بأن مصالحهم هي آخر ما تفكر بها الحكومة لدى اتخاذها أي قرار.

وتمهيدا لتنفيذ هذا القرار فقد عادت الحكومة وألغت القرار الذي اتخذه المجلس الزراعي الأعلى العام الفائت، والذي كان يسمح لأهالي منطقة رأس العين باستغلال 15% من المساحات الزراعية المرخصة للري بالزراعات الصيفية (القطن) ومنعت الزراعة الصيفية نهائيا. وبعد دعوات ومراجعات لرئاسة الوزراء والوزارات المعنية عادت الحكومة وسمحت بـ 5% من المساحات المرخصة، لكن بشرط اعتماد طريقة الري بالتنقيط، إضافة لقرارات جديدة تخص المناطق الأخرى من المحافظة تتعلق بالزراعات الصيفية وتحول مناطق المحافظة إلى شبكة كلمات متقاطعة غير مفهومة، فلكل منطقة قرار خاص بها تتراوح فيها المساحات المسموح بها للزراعة الصيفية بين 5 و 25% ولا يدري الناس على أي أساس حددت هذه النسب وما الحكمة منها. خاصة وأن الجهات المحلية الحكومية تتولى تحديد حدود مربعات هذه الشبكة حسب مزاجها وهواها وهوى الشهية الفاسدة لدى القائمين على إدارة أمورها، وكل ذلك بحجة غير مقنعة هي ترشيد استهلاك المياه الجوفية، في الوقت الذي تمنح فيه تراخيص حفر عشوائية لينتفع من ورائها قبل الجميع الجهات الحكومية المعنية بلجانها الكثيرة التي لا تقدم أية خدمات حقيقية، "وتسلخ الناس رشاوى ما فتح ورزق". وهي قد اعتادت على استغلال القرارات أسوأ استغلال في منحى الكسب غير المشروع الذي يمارس جهارا نهارا.

ولكن الحقيقة التي لاشك فيها هي أن الحكومة تقصد من وراء كل ذلك تقليص المساحات المزروعة بالمنتوجات الصيفية لأسباب لا ندرك ماهيتها، في الوقت الذي تدرك الجهات المعنية أن المحاصيل الشتوية بأسعارها الراهنة المتواضعة وارتفاع تكاليف الإنتاج لا تغطي حاجــــــة

الناس ونفقات حفر الآبار ومستلزمات استجرار المياه التي تتجاوز –وسطيا- المليون ليرة سورية لكل بئر. ولذلك فإن الحكومة إذا كانت تريد تقليص المساحة المزروعة بالمحاصيل الصيفية، عليها قبل كل شيء رفع أسعار المحاصيل الشتوية وتخفيض أسعار الوقود والسماد والبذار بما يحقق هامشا من الفائدة يسد الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية للناس، وبالتالي سيتوجه الناس طواعية إلى تقليص المساحات المزروعة بالمحاصيل الصيفية، وستوفر على الحكومة اللجوء إلى وسائل الإكراه والتهديد بحراثة المساحات الزائدة للزراعة الصيفية التي يلجا إليها الناس تحت ضغط الحاجة وسد نفقات وتكاليف الإنتاج، لأن التجاوز على المساحات المرخص بها والتي وضع فيها الناس كل إمكاناتهم المادية لا يلجؤون إليها في سبيل الإثراء كما قد يتصور البعض، لأن الحكومات السابقة قد عملت كل جهدها في تقليص فرص الربح الزائد برفعها تكاليف الإنتاج إلى أقصى حد.

هذا فيما لو أهملنا الانعكاسات السلبية على الجانب الاجتماعي، والذي ستفقد بموجبه مئات الألوف من العائلات فرص عمل تتعيش منها توفرها الزراعة الصيفية، والتي تتناقض كليا مع مزاعم الحكومة التي تقول إن في رأس أولوياتها الحد من مشكلة البطالة التي تتسع دائرتها.

على أية حال، قائمة القرارات الارتجالية والمزاجية تطول وتطول، ولا نعتقد أن القطاعات الاقتصادية الأخرى بأفضل منها أو بمنأى عن مثل هذه القرارات. لذلك نعتقد أن الحكومة سوف لن تنجح في معالجة مشكلات الاقتصاد الوطني بمثل هذا الأداء السيئ الذي بدأ الناس يتململون منه وبدأ شكواهم يتصاعد ضده –رغم غياب وسائل التعبير- وبالتالي إن كانت هناك نية لإصلاح الأمور فإن الاستعجال بإجراء التعديل الوزاري الذي جرى الحديث عنه قبل فترة، أمر ضروري وحيوي لتوفير فرص الإنعاش الاقتصادي والخروج من مأزق القرارات الارتجالية والمزاجية وإفرازاتها السلبية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي. 

 

أضواء على نشاطات منظمات حزبنا في أوربا

1- رسالة جوابية من وزارة الخارجية الهولندية:

كانت منظمة حزبنا في هولندا قد قامت بمظاهرة سلمية في مدينة لاهاي في تشرين الأول 2000، وسلمت رسالة إلى الخارجية الهولندية حول معاناة شعبنا الكردي وما يتعرض له من اضطهاد ومشاريع عنصرية وحرمان من أبسط الحقوق القومية والإنسانية. وقد تم تسليم الرسالة الجوابية التالية:

«إلى حزب يكيتي الكردي في سوريا – منظمة هولندا

بالنسبة للرسالة التي قدمتموها لنا بتاريخ 24.10.2000 نؤكد بأن وضع الكرد في سوريا لا يزال غير مطمئن، ويثير قلقنا كوزارة خارجية، وبالتالي يدخل ضمن اهتماماتنا، خاصة وأن الكرد لا يستطيعون استخدام لغتهم وممارسة تراثهم الفلكلوري، والتمتع بحريتهم السياسية والإعلامية، كما أن وضع المجردين من الجنسية لم يتحسن حتى الآن، بل ازداد سوءا

2- لقاء مع منظمة حقوق الإنسان العالمية بسويسرا:

أجرى ممثلو منظمة حزبنا في سويسرا لقاء هاما مع ممثلي منظمة حقوق الإنسان العالمية (أمنستي انترناسيونال) في شهر نيسان 2001، وتم إلقاء الضوء على وضع شعبنا الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا، حيث إنكار الهوية الكردية، وتجريد المواطنين الكرد من الجنسية، وتطبيق مشروع الحزام العربي الاستيطاني العنصري، بالإضافة إلى وضع الجالية الكردية في سويسرا، وقضية الهجرة التي ابتليت بها جماهير شعبنا بسبب الأوضاع المزرية المستديمة التي تعانيها في الوطن الأم.

3- إحياء ذكرى جريمة حلبجه وعيد نوروز:

بناء على دعوة من لجنة هفكاري (ومن ضمنها منظمة حزبنا هناك) وبالمساهمة مع المنظمة النروجية للتضامن مع الشعب الكردي، نفذ اعتصام احتجاجي في إحدى الساحات الرئيسة بـ أوسلو، إحياء للذكرى السنوية لجريمة قصف حلبجه الكردية بالسلاح الكيميائي. وجرى الاعتصام في يوم 17 آذار2001، كما تم توزيع منشور بهذه المناسبة الأليمة، وعرضت صور محزنة عن المجزرة الصدامية بحق الشعب الكردي عام 1988.

وبنفس المناسبة تم عقد كونفرانس بمدينة روغلاند وبمشاركة بيت الثقافة الأوربية حول الأسلحة الكيميائية وآثارها، وتحدث فيه أحد المختصين النروجيين الذي كان على صلة قريبة بأحداث حلبجه ومطلعا عليها. وقد دعا الكونفرانس إلى تحريم هذه الأسلحة وتجريم مستخدميها.

وفي 21آذار 2001 أحيت الجالية الكردية السورية في هولندا عيد نوروز بإشراف منظمة هفكاري (تجمع الأكراد السوريين في هولندا) حيث تم الإعلان في نفس اليوم عن تأسيس هذه المنظمة التي تضم في عضويتها: حزب يكيتي الكردي، حزب الاتحاد الشعبي الكردي، حزب الوحدة الديمقراطي الكردي، الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي، الحزب الديمقراطي الكردي، بالإضافة إلى جمعية جكرخوين لأكراد سوريا، وقد حضر الحفل أكثر من 400 شخص.

وفي العاصمة النروجية أوسلو تم الاحتفال بنوروز بمشاركة هفكاري كرد، وحضرته جماهير غفيرة استمتعوا بأغاني وأنغام الفنانين شفان برور وأردلان. وأقيم حفل مماثل في روغلاند بمشاركة كومله كرد، وأحيا الحفل الفنان جوان حاجو والفنان نجم الدين غلامي.

وفي مدينة هانوفر الألمانية أقامت منظمة حزبنا حفلا كبيرا في 17/3/2001 بمناسبة عيد نوروز. وتجاوز عدد الحضور الألف، وغنى فيه الفنان شفان برور وغيره. وفي مدينة أبسن الألمانية وبحضور سبعة آلاف شخص أقيمت حفلة نوروز المركزية وبإشراف لجنة هفكاري الكردستانية التي تساهم منظمة حزبنا فيها بشكل فعال.

وفي سويسرا أقيمت حفلة نوروز بمدينة زيوريخ بتاريخ 21/4/2001 وأحيا الحفل الفنان جوان حاجو.

وفي آذار شارك حزبنا بذكرى وفاة الزعيم الوطني الكردي مصطفى البارزاني، التي أقيمت في النرويج. وقد ألقى ممثل منظمة حزبنا هناك كلمة بحضور ممثلي العديد من الأحزاب الكردستانية.

4- عقد اجتماع موسع لمنظمة حزبنا في ألمانيا:

عقد هذا الاجتماع في 14 نيسان 2001 وحضره ممثلون عن لجنة تنظيم حزبنا في أوربا، وجرى فيه تناول الأوضاع في ألمانيا وخارجها، واتخذت العديد من القرارات والتوصيات والاقتراحات في مجال النشاط، وحيا الاجتماع نضال رفاق الحزب في الوطن والتزامهم الصارم بنهج يكيتي وقرارات مؤتمراته، وتمسكه بحقوق شعبنا ومناهضة السياسة العنصرية المستمرة تجاهه.

وأخيراً: تم إصدار العدد /7/ من جريدة باسم يكيتي، باللغة الهولندية؛ وهي جريدة شهرية لمنظمة حزبنا هناك، والتي تهتم بنشاطات المنظمة ووضع الجالية الكردية، وتقوم بإيصال كل ما يجري في الوطن بالنسبة لشعبنا إلى الرأي العام الهولندي والأوساط السياسية والثقافية بشكل خاص. .

 

سياسة التمييز العنصري

تمنع الكرد من بناء المساكن في تل أبيض وتل تمر..؟؟!!

من المؤكد  أن جميع الأديان وشريعة الله، والأحزاب السياسية، ومنظمات حقوق الإنسان والقوانين الدولية، والأعراف المعمول بها في كل المجتمعات، كلها تحترم الإنسان وتدعو إلى تأمين مستلزمات حياته التي تنحصر بشكل أساسي في تأمين الغذاء اللازم لاستمرار حياته، واللباس الضروري لحمايته من البرد والحر، والمسكن الذي يأوي إليه، ليحميه من الأخطار الخارجية، ويصبح له بمثابة المكان الآمن والعش الدافئ.

جميع حكومات العالم تبذل جهودا كبيرة لتأمين مستلزمات الحياة لمواطنيها بالإضافة إلى مستلزمات الكرامة والسعادة، ولكن هل هذا معمول به بالنسبة للكرد في سوريا ؟!

1-                      في منطقة تل أبيض «Girê siî» الكردية التي تقع في أقصى شمال محافظة الرقة، وبمحاذاة الحدود التركية، وتضم مدينة تل ابيض والقرى الزراعية حولها، وتشتهر بزراعة الحبوب والقطن والخضار. ومعظم سكانها من الكرد، وفيها أيضا بعض العرب والتركمان والأرمن. وفي هذه المنطقة يبني السكان –من غير الكرد- مساكنهم كالمعتاد، ولكن ما أن يشرع مواطن كردي ببناء مسكن له ولعائلته سرعان ما تقوم السلطات المحليـــــة بمنعه بشكل فظ دون أي سبب سوى أنـــه من أصل

كردي، علما بأن الكرد هم سكان أصليون في هذه المنطقة، وقد ألحقوا مع أرضهم بالدولة السورية الناشئة بعد تطبيق اتفاقية سايكس بيكو عام 1916 وحصول الانتداب الفرنسي على سوريا.

السلطات لا تجيز للسكان الكرد أن يسجلوا بأسمائهم لا المساكن ولا العقارات، عملا بسياسة التمييز العنصري المتبعة بحقهم، والتي يلتزم بها حزب البعث بهدف صهر القوميات غير العربية وطمس وجودها، وبالأخص القومية الكردية. وهكذا عندما تسمع السلطات بأن مواطنا كرديا يبدأ ببناء بيت أو حتى غرفة للسكن، حينها تقوم القيامة على هذا الكردي المضطهد، حيث تتشكل دوريات مشتركة من كافة مفارز الأمن (العسكرية والسياسية وأمن الدولة) مع ممثلي مدير المنطقة والبلدية، ويعطون الأوامر الفورية بالهدم مباشرة، ولا يلغى الهدم ولو كان المبنى مسكونا.

أية سياسة هذه في عصر المعلوماتية والإنترنت والديمقراطية و حقوق الإنسان؟! أين العمل بسياسة قبول الرأي الآخر والشفافية والإصلاح وتحسين مستوى المعيشة؟!!

2-                      في مدينة تل تمر الواقعة شمال غرب مدينة الحسكة وسكانها هم من الآشوريين وقلة من العرب، بالإضافة السكان الكرد الذين تنتشر قراهم في شمال وشرق مدينة تل تمر، نجد سياسة التمييز تجاه الكرد متبعة في مجال بناء المساكن كما في تل أبيض، فهم –أي الكرد- لا يمنحون رخص البناء على خلاف كل سكان البلدة.

إن هذه السياسة اللاإنسانية المتبعة من قبل السلطات في منطقة تل أبيض ومدينة تل تمر، لا تنسجم مع روح العصر، وتشكل وصمة عار وإدانة على جبين منفذيها. وإننا نطالب بإلغائها على الفور وتطبيق المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات حسبما يقره الدستور السوري نفسه.

 

في الذكرى السنوية السادسة عشرة

لاستشهاد الرفيق عبدي نعسان قادر

في مثل هذا التاريخ 11/5/1985 قامت قوى الشر المشبوهة والمعادية لقضية شعبنا الكردي باغتيال الرفيق عبدي نعسان قادر؛ عضو اللجنة المركزية لحزبنا (آنذاك: حزب الشغيلة الكردي الذي توحد مع حزبنا) محاولة منهم للنيل من نشاط الحركة الوطنية الكردية في منطقة كوباني (عين العرب)، حيث كان الشهيد أحد أبرز الوجوه الوطنية المناضلة في الساحة السياسية الكردية في تلك المنطقة. هذا وبعد ستة عشر عاما من رحيله بقي الشعب الكردي مخلصا لابنه البار، وبقي على عهده مواصلا النضال في سبيل قضيته العادلة. وفي كل سنة تقوم جموع الجماهير الوطنية المخلصة من أبناء المنطقة، وبمشاركة ممثلي بعض الأحزاب الوطنية الكردية بزيارة ضريح الشهيد إحياء لهذه الذكرى، وتذكيرا بمناقب الشهيد، وتخليدا لما قدمه من جهد وتضحية لقضيته وأبناء شعبه.

وفي هذا العام قام حزبنا وجماهير غفيرة من أبناء المنطقة، وبمشاركة بعض الفصائل الوطنية الكردية بالتوجه إلى ضريح الشهيد، وتم إلقاء الكلمات المعبرة عن هذه الذكرى والتي تخلد الشهيد وشهداء الحرية الذين قدموا دماءهم رخيصة في سبيل المبادئ والقضايا الإنسانية العادلة. وقد ألقى أحد الرفاق في اللجنة السياسية لحزبنا –حزب يكيتي الكردي في سوريا- كلمـة قال فيها: «إننا في هذا الجزء الكردستاني حين

نقف أمام ضريح شهيد من شهدائنا بحجم الرفيق عبدي، علينا أم نقف وقفة خشوع لروحه الطاهرة أولا، ووقفة محاسبة للذات ثانيا. إن الآمال والطموحات النبيلة التي ناضل من أجلها رفيقنا عبدي، وقدم حياته في سبيلها، توجب علينا كحركة سياسية وكرفاق في مسيرة الشهيد النضالية مسألة الذات أولا وأخيرا. ماذا قدمنا في دربه النضالي الأشرف، ولماذا أخفقنا كل هذه السنين؟ أسئلة يجب علينا الإجابة عليها كتعابير سياسية لهذا الشعب المحروم من أبسط حقوقه القومية والإنسانية.

فتحية إلى روح الشهيد الخالد، وإلى عائلته الكريمة، وإلى رفاق دربه الطويلة من اجل انتزاع حقوق شعبنا القومية المشروعة».

وقد ألقى أحد الحضور قصيدة شعرية بهذه المناسبة، وألقيت كلمتان؛ الأولى: باسم حزب الوحدة الديمقراطي الكردي (يكيتي)، والثانية: باسم الحزب اليساري الكردي في سوريا.

نبذة عن حياة الشهيد عبدي نعسان:

ولد الرفيق الشهيد في قرية علبلور (Elelûr) في منطقة كوباني عام 1947، من عائلة فلاحية فقيرة.

انتسب إلى صفوف البارتي الديمقراطي الكردي اليساري في سوريا عام 1966.

درس الابتدائية والإعدادية في مدارس كوباني، ثم تابع الدراسة الثانوية في مدينة حلب.

أكمل دراسته الجامعية في تركيا، جامعة استنبول، وحصل على شهادة الصيدلة هناك.

ساهم بشكل فعال –أثناء دراسته الجامعية في تركيا- في نشر الوعي الوطني الكردي والوعي القومي في صفوف زملائه الطلاب هناك.

انتخب عضوا للجنة المركزية للحزب في المؤتمر الخامس عام1979

ساهم بشكل فعال في انطلاقة حزب الشغيلة الكردي في أيلول1982.

ومن موقعه القيادي والمسؤول في الحزب كان مناضلا عنيدا من أجل القضية التي كان يؤمن بها حتى يوم استشهاده.

 

الأمن الجنائي في عفرين

والتعذيب حتى الموت

في الوقت الذي تزعم فيه وسائل الإعلام في البلاد بوجود الأمن والأمان، وتدعي الجهات الحكومية بأنها أوقفت العمل بالأحكام العرفية السارية منذ عام 1963، وبأن المؤسسات القضائية تعمل بمعزل عن قوانين الأحكام العرفية، نقول: في هذا الوقت بالذات جرت العديد من الحوادث المؤسفة التي لم تكن لتحدث لولا استمرار العمل بتلك الأحكام.

إن مسؤولي أجهزة السلطة المختلفة يتحصنون بصلاحيات الأحكام العرفية، ويقومون بتوجيه الاتهامات جزافا لتجريم وتخوين المواطن –وبشكل خاص في المناطق الكردية- فما حدث  مع المواطن محمد شكري علوش (مواليد باذيه 1983 ؛ التابعة لناحية شيخ الحديد «شيي» منطقة عفرين) تقشعر لها الأبدان. فالمرحوم عمل كصانع لدى ميكانيكي في بلدة جنديرس، وقد اعتقله الأمن الجنائي، بحجة أن المحل الذي يعمل فيه، يقع مقابل منزل تعرض للسرقة من قبل مجهولين. وبعد الاعتقال مورست معه مختلف أشكال التعذيب. ورغم إصراره بأنه بريء من التهمة، ولا علاقة له بعملية السطو، وليست لديه معلومات عن الفاعلين، إلا أن الأمن الجنائي كان مصرا على تلبيسه تهمة السرقة، وقد يكون الدافع تبرئـــة آخرين، فعمد الأمن إلى استخدام التيــار الكهربـــائي معــه

وهو  شاب لم يتجاوز الثامنة عشرة- وبصورة وحشية، مما أدى إلى حصول نزف شديد؛ توفي على إثره. وليس هذا فحسب، بل أراد الأمن الجنائي تبرئة ساحته من جريمة القتل بأن أقدم على جريمة أشنع، وهي تعليق جثة الضحية بسقف زنزانة التعذيب ليزعم بأن محمد شكري قد أقدم على الانتحار.

لقد كانت الفاجعة كبيرة ومؤلمة عندما رأى والد الضحية وعمه الجثة معلقة بعد أن استقدمهما الأمن الجنائي، فكانت الصدمة صاعقة وأدت إلى فقدانهما الوعي برهة من الزمن.

ومن ثم وضعت الجثة والأهل في سيارة وتوجهت إلى القرية، حيث أرغم الأمن الجنائي أهالي الضحية على دفن الجثة، رافضا إجراء أية تحقيقات عن ملابسات الحادث الإجرامي، ورافضا الفحص الطبي الشرعي للجثة.

لقد سبق هذا الحادث المرعب، حادث آخر قبل أكثر من عام، حيث فارق الحياة شيخ إحدى الطرق الصوفية عبد الحنان يعقوب، بعد أن استدعي من قبل أمن الدولة للتحقيق معه، وحينها توفي ذلك العالم الديني في ظروف غامضة، ولم تقم الجهات الحكومية بتوضيح الأسباب التي أدت إلى وفاته.

إننا في حزب يكيتي، في الوقت الذي ندين ونستنكر حادثة قتل المغدور محمد شكري، نطالب بفتح ملف تحقيق علني، ومحاسبة مرتكبي هذه الجريمة اللاإنسانية بأقصى العقوبات الرادعة، ووضع حد للأجهزة الأمنية في استدعائها المواطنين واستجوابهم وتعذيبهم خلافا للأصول القانونية.

 

السلطات الأمنية

تبعد الملا عبد الرحمن البرزنجي عن مهامه الدينية

تتحدث الأوساط الشعبية والسياسية في الجزيرة عن محنة العالم الديني الملا عبد الرحمن البرزنجي، بعد أن تم إبلاغه بإنهاء مهامه الدينية بقرار مباشر من قبل الأمن السياسي بالحسكة، وبتنفيذ ميداني من قبل شعبة أوقاف القامشلي، حيث يشعر الناس بالقلق والانزعاج جراء هذه المعاملة القاسية مع عالم دين مسالم، وغير عامل ضمن تنظيمات الحركة الكردية. ولكي نصل إلى الحقيقة الكاملة قامت هيئة تحرير نشرة «يكيتي» بلقاء مباشر مع الملا عبد الرحمن للاطلاع على وضعه. وفيما يلي مضمون المقابلة:

س- السيد الملا عبد الرحمن، نريد أن تعرفنا بنفسك.

ج- أنا عبد الرحمن بن محمد حسن البرزنجي، مواليد قرية خزنة عام 1938، مقيم في قريتي (جمعاية). كنت إماما لجامع القرية منذ ستة عشر عاما، وهذا الجامع غير تابع للأوقاف، حيث بناه الحاج حمو على نفقته.

س- ما هو مستوى دراستك الدينية؟

ج- حصلت على إجازة في العلوم الدينية من قبل علماء المنطقة الأكراد، وهذه العلوم تشمل الفقه والنحو والمنطق والقرآن والحديث. وتابعت الدراسة والاطلاع في دمشق لمدة ستة أعوام أخرى.

س- هل صحيح أنك أبعدت عن جامع القرية، وكيف تم ذلك ولماذا؟

ج- نعم هذا صحيح. لكن قصتي طويلة بعض الشيء، ففي أواخر عام 2000 استدعاني فرع أمن الدولة بالقامشلي، وخلال المقابلة سألني أحد المسؤولين: إنك تلقي خطبة الجمعة باللغة الكردية. فأجبته بنعم، هل ممنوع على الكرد المسلمين قراءة الخطبة بالكردية؟ لماذا تقرأ في الدول الإسلامية الأخرى مثل تركيا وباكستان وحتى في الهند بلغاتهم. حينها استغرب جرأتي في الاعتراف. فقلت: أنا عالم ديني ولا يجوز لي أن أكذب. وأعتقد بأن الخطبة بغير الكردية باطلة، لأن المصلين يقولون دوما بأنهم لا يفهمون بشكل جيد سوى بلغتهم الكردية. وفي النهاية لم يعترض ذلك المسؤول على تصرفاتي لأنها صحيحة حسب الشريعة. وفي الحقيقة أني لم أكن ألقي الخطب بالكردية، وإنما بالعربية، ولكني كنت أشرح الآيات القرآنية والأحاديث النبوية بالكردية.

وفي 16 آذار 2001؛ يوم ذكرى القصف الكيميائي لأكراد حلبجه، قمت عبر مكبر الصوت لمسجد القرية بتذكير الناس بهذه الذكرى الأليمة. وبعد ذلك وفي أواخر آذار 2001 بلغت بشكل رسمي بضرورة مثولي أمام فرع الأمن السياسي بالحسكة. وهناك أجبت رئيس الفرع عن اسمي وكوني بدون عمل. فقال: كيف ذلك وأنت إمام وخطيب!؟ قلت: إني أخدم الجامع بتوصية من المرحوم والدي، وبدون أجر، والجامع غير تابع للأوقاف. فسألني عن تذكيري الناس بيوم الحداد على شهداء حلبجه والجهة التي دفعتني لذلك. قلت: نعم فعلت، والدافع هو عقيدتي الإسلامية التي تعلمتها من السلف الصالح سيدنا محمد (ص) والخلفاء الراشدين. فقال: إن مكبر الجامع هو للأذان فقط. فقلت: نعم، ولكنه قد يستخدم لخدمة الناس، مثل الوفاة والتلقيح ضد الأمراض. والتذكير بحلبجه يعتبر التزاما بالآية القرآنية الكريمة /104/ من سورة آل عمران: «ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون». فصدام مجرم بحق الإسلام والقانون الدولي، وأنا أتعجب من منعكم لي بشأن ذكرى حلبجه، علما أنه في أوربا وكردستان الأمر اعتيادي مجرد وقفة صمت واستنكار لكي لا تتكرر جرائم صدام بحق

الإنسانية التي تشبه جريمة قصف مدن اليابان سابقا. وأنا لم أتظاهر ضد الدولة، بل قمت بواجب ديني، فالحديث الشريف يقول: من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه…الخ. ثم أنني منذ تسع سنوات أقوم بهذا الواجب الإنساني ولم يمنعني أحد، وأعتقد أن لا أحد عندنا يساند جرائم صدام بحق شعبه وجيرانه.

وفي النهاية أجبروني على أن أوقع على تصريح بألا أكرر ما فعلته، فقلت: إن خطيئة ذلك عند الله لا أتحملها، لأنكم ترغمونني على ذلك.

وفي بداية شهر نيسان الماضي فوجئت بتبليغي رسميا من قبل شعبة الأوقاف بإبعادي عن عملي. ومضمون القرار هو

:

شعبة أوقاف القامشلي

رقم 12/ص تاريخ 2/4/2001

إلى إمام وخطيب جمعاية بالقامشلي: بناء على كتاب فرع الأمن السياسي بالحسكة رقم 304/8/ص تاريخ 1/4/2001، ينهى تكليف السيد عبد الرحمن بن محمد حسن البرزنجي، إمام وخطيب جامع جمعاية التابعة لمنطقة القامشلي، ويعين بدلا عنه خطيب آخر من قبل دائرة شعبة أوقاف القامشلي، للعمل بهذا الكتاب فور وصوله لكم وأي تأخير أو عدم تنفيذه يستوجب المسؤولية القانونية. وشكراً.

عن رئيس شعبة أوقاف القامشلي

محمد عبيد المحمد…...

س- برأيك، ما هي الأسباب الحقيقية لإبعادك ؟

ج- أعتقد أن الأسباب الظاهرية "كذكرى حلبجه" ليست هي الوحيدة، بل إن مقترحات العنصري محمد طلب هلال مازال معمولا بها، حيث كان يطالب بإبعاد علماء الدين الأكراد واستبدالهم بعلماء من العرب الأقحاح.

س- ماهو موقف أهالي جمعاية وغيرهم من محنتك ؟

ج- إن معظم السكان أبدوا تعاطفهم ومساندتهم لي ووعدوا بتقديم المساعدات في المستقبل، لا سيما وأنني بقيت دون عمل، ووضعي الصحي ليس على ما يرام. أما الآخرون فموقفهم في المنطقة إيجابي جدا، ويستغربون إبعادي عن الجامع لكوني لم أرتكب ما يخالف الشريعة الإسلامية.

 

إننا في حزب يكيتي نساند موقف عالم الدين القدير عبد الرحمن البرزنجي، ونعتبر إبعاده عن مركزه في مسجد جمعاية غير مبرر على الإطلاق طالما أنه لم يقم بأي عمل شائن، كل ما قام به هو أداء واجب ديني وإنساني أملاه عليه ضميره النقي، وإخلاصه لمبادئه الدينية، وإن الذي يستنكر جرائم صدام يجب مكافأته وليس معاقبته، لأنه مجرم  بحق الشعوب العراقية، وبحق شعب الكويت والشعوب الإيرانية، وتسبب في تقسيم صفوف العالم العربي والإسلامي. ومن هنا نطالب بإلغاء الإجراء المتخذ بحق هذا العالم الجليل وإعادته إلى جامعه بين أهله وجيرانه تحقيقا للعدالة والإنصاف، لاسيما وبلادنا تنادي بحرية الرأي والرأي الآخر وبالشفافية والعلنية ومساواة الجميع أمام القانون في الحقوق والواجبات.

 

الكاتب الكردي خالد محمد يلقي محاضرة بعنوان:

المفاضلة بين اللغات

بتاريخ 24 نيسان 2001 ألقى الأستاذ خالد محمد محاضرة جادة حول المفاضلة بين اللغات في قاعة تابعة لمقر الحزب الشيوعي السوري بالقامشلي. وقد شكر الحزب الشيوعي على إتاحة الفرصة له لإلقاء محاضرته بعد أن رفض المركز الثقافي بالقامشلي السماح له بذلك. وقد حضرها  جمهور من المهتمين بالأدب والثقافة، وعدد من ممثلي بعض القوى السياسية الكردية.

ركز المحاضر على أن التفضيل بين اللغات ليس موضوعيا، فهناك نزعات للتفضيل بهدف تقديم شعب على آخر، ولكنها فرضيات تفتقر إلى الأساس العلمي، والمهم هو أن يستمر الجدل بين الآراء المتباينة للوصول إلى الحقيقة. وقال بأن لكل لغة قواعد وخصائص معينة يجري بموجبه التواصل ضمن الجماعة اللغوية الواحدة. وفي مجال ادعاء البعض بكون لغتهم أفضل من غيرها ذكر الكاتب كأمثلة: إن العبرانيين ادعوا بأن لغتهم هي أم اللغات وهي لغة آدم. واعتبر الآراميون لغتهم لغة السيد المسيح، وقال كل من الصينيين والأرمن بأن لغتهم هي الأصل والإغريق قدّسوا لغتهم ووصفوا اللغات الأخرى بالرطانة، ووصف اليونانيون لغتهم بأنها لغة الحكمة ولغات الآخرين بلغة الكلاب، وبرز لدى الفرنسيين شعور بتفوق لغتهم. أما العرب فقد حاولوا إثبات قدسية لغتهم بأنها لغة القرآن ولغة آدم والجنة، وقالوا بأن الأعجمي لا يحس برقة اللغة العربية. واعتبر الكاتب هذه الحجج عاطفية وبعيدة عن المنطق العلمي المحايد، حيث أن كل شعب يحب لغته ويرتاح لتداولها ويميل إلى تفضيلها، ولكن كل لغة تؤدي وظيفتها بالنسبة للشعب الذي يتكلم بها.

وفي مجال التشهير باللغة الكردية ذكر الكاتب أن بعض المغرضين من الكتاب العرب نعتوا اللغة الكردية بلغة النور (بفتح الواو)، ودحض هذا الادعاء العنصري، وقال بأن اللغة الكردية هي لغة شعب عريق وهي مثلها مثل غيرها من اللغات. ولا يعني انتشار لغة ما أو هيمنتها في فترة تاريخية معينة ولأسباب دينية أو اقتصادية أو سياسية، أنها أفضل من غيرها.

وفي الختام أفسح المجال أمام الحضور لتقييم المحاضرة وإبداء الرأي، وكانت الآراء إيجابية بصورة عامة، حيث دافع العديد عن اللغة الكردية وأشادوا بعراقتها وحثوا الكرد على تداولها والاهتمام بها.