(72) في هذا العدد

 

*  بانوراما الجلاء والحقيقة المرّة2

*  شعبنا يحتفل بعيد نوروز6

*  وزير الداخلية يتراجع عن قراره10

*  أراضي مزارع الدولة14

*  لماذا يحرم أبناء الجزيرة من التوظيف15

*  معتقلو الرأي بين الانفتاح ومراجعة الأمن17

*  نادي الجهاد والعقوبة السنوية20

*  الاضطرابات الأخيرة في تركيا26

 

بانوراما الجلاء

والحقيقة المرة

     في السابع عشر من نيسان يكون قد مضى على ذكرى رحيل آخر جندي فرنسي عن أرض الوطن /55/ عاما, ولا يزال بعض شيوخنا الذين أمد الله في أعمارهم يتذكرون تلك الأيام الجميلة, حين عمت الفرحة جميع مناطق سوريا – بكافة فئاتها وشرائحها الاجتماعية والقومية والمذهبية – مهللة للاستقلال ومنددة بالاستعمار وسلطته وقمعه, وكان الأمل يحدوهم في العيش في وطنهم بحرية وكرامة بعيدا عن القهر والإذلال الذي كانوا يتعرضون له أيّان فترة الانتداب.

   لكن الآمال الكبيرة سرعان ما تبددت إذ لم يمض على فرحة الاستقلال سوى ثلاث سنوات حتى بدأت سلسلة الانقلابات للاستنثار بالسلطة بالقوة العسكرية دون الاكتراث بآراء ورغبات المواطنين ودون أي اعتبار للقوى السياسية الفاعلة على الساحة السورية باستثناء الفترة الممتدة من /1954 – 1958/ حيث انتعشت الحياة السياسية في سوريا بشكل إيجابي وفاعل وبعيدا عن القمع, وأخذ التوجه الديمقراطي بعدا قانونيا وشعبيا؛ إذ بات طبيعيا أن يتحاور القومي مع الأممي مع الديني في جميع القضايا التي تخص الشعب السوري, لكن هذا التوجه أخمد بقيام دولة الوحدة بين مصر وسوريا 1958, وعلى الرغم من أن معظم الشعب السوري وقواه السياسية أيدت الوحدة طواعية, إلا أن سلطات الوحدة –واستنثارا منها بالسلطة- عمدت إلى قتل الحياة السياسية في سوريا وذلك بإصدار قرارات بحل جميع الأحزاب في مصر وسوريا, وإنشاء حزب سلطوي يحوي جميع الفئات والأحزاب في البلاد, وقمع كل توجه معارض لهذه السياسة من خلال الأجهزة الأمنية المتعددة الأوجه والمجالات. ونتيجة لذلك انتفت لغة الحوار والتفاهم, وحلت محلها لغة العنف والعنف المضاد, وأنشئت السجون السياسية وتنوعت أساليب التعذيب مع استنباط أساليب جديدة أو مستوردة.

   وبعد فشل تجربة الوحدة ومجيء حكومة الانفصال انتعشت الآمال مجددا وبدأت الروح تدب في أوصال الحياة السياسية, وأعادت الأحزاب تنظيم نفسها, وأعطيت الوعود للقيام بانتخابات برلمانية حرة ونزيهة, ولكن النظام كشف عن نواياه في يوم الانتخابات ورتب قوائم مسبقة من قبل الأجهزة السلطوية, وزج بالكثيرين في السجون مجددا –بمن فيهم قادة الحركة الكردية- ثم جاء انقلاب حزب البعث والوحدويين عام 1963.

   وبعد سلسلة من التغييرات والاسقاطات الداخلية والجانبية, استقر الوضع على استفراد حزب البعث بالسلطة كليا مع تشكيل جبهة موالية له في سياسته أسوة بالأنظمة الشمولية المتبعة في أوربا الشرقية. وشيئا فشيئا سيطرت الأجهزة الأمنية على كل مفاصل الحياة السياسية في سوريا, ومنعت كافة التنظيمات السياسية من العمل بحرية ماعدا المنضوية تحت لواء جبهتها, حيث أفسحت لها هامشا من التحرك ينسجم مع سياساتها في مجالات محددة لها مسبقا. ونتيجة لهذا الوضع فقد سيطر الخوف على المواطن السوري من الأجهزة الأمنية وتوسعت السجون أكثر فأكثر وطبقت الأحكام العرفية بقسوة على المواطنين لدرجة أصبح المواطن العادي يساق إلى السجون دون محاكمة لأتفه الأسباب, وأنتفت لغة الحوار والتفاهم من القاموس السياسي في سوريا تماما لتحل محلها لغة العنف والوصولية والانتهازية والنفاق السياسي والتقرب من الأجهزة المتنفذة للحصول على وظيفة أو حظوة لدى هذه الجبهة أو تلك.

  ونتيجة لذلك, فقد انعكس هذا الواقع سلبا على حياة المواطنين من أبناء الشعب السوري –اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا- مما دفع بالكثيرين إلى الهجرة إلى خارج الوطن بحيث بلغت حسب آخر تقرير للجنة الدفاع عن حقوق الإنسان في سوريا 10% من سكان سوريا, أي ما يعادل 6,1 مليون يعيشون في الغربة هربا من الضغوطات الأمنية والاقتصادية. وإذا كان هذا هو الواقع بالنسبة للشعب السوري بشكل عام, فإن الشعب الكردي في سوريا تعرض لسياسة مزدوجة؛ إذ بالإضافة إلى ما تعرض ويتعرض له من الممارسات السابقة الذكر فإنه يحتل المرتبة الثانية أو الثالثة من حيث درجة المواطنة نتيجة تعرضه لسياسة عنصرية نمت منذ عهد الوحدة وتطورت كبرامج في عهد الانفصال وكتطبيق في عهد البعث, ولا تزال تلك السياسة متبعة وتطبق بحقه حتى الآن بدءا بسياسة التجريد من الجنسية 1962 مرورا بعملية نزع الأرض منهم في أوساط الستينات ومن ثم توزيعها على مواطنين عرب تم جلبهم من محافظات أخرى, وبناء تجمعات استيطانية لهم في أوساط السبعينات وحرمان الكرد من العمل في السلك الخارجي والأمن والدفاع, إلى إجراءات طردهم من العمل في الشركات العامة أو نقلهم إلى أماكن أخرى خارج محافظاتهم وإلى طرد الطلبة الكرد من المعاهد الملزمة وظيفيا, وتضييق الخناق على النشطاء السياسيين الكرد سواء بالسجن أو الإهانة أو المحاربة الاقتصادية حتى لعائلاتهم, مما دفع بالآلاف من أبناء شعبنا إلى الهجرة إلى خارج أماكن تواجدهم التاريخي والبحث عن مكان أمن يؤمن لهم لقمة العيش بقليل من الكرامة.. ولم تفلح تضحياتهم في سبيل استقلال وطنهم بدءا بالبطل يوسف العظمة وحتى تاريخ الاستقلال مع رفضهم المطلق التعامل مع المستعمر من خلال طرح مشاريع تقسيمية كان الفرنسيون يحاولون البحث عن رموزها من بين الكرد.

   أما آن الأوان لأن يعاد النظر بكل السياسات المتبعة منذ نصف قرن وحتى الآن؟ أليست هذه السياسة أحادية الجانب والتي تعتمد على نظام الحزب الواحد في الحكم هي التي أدت إلى انهيار الأنظمة المماثلة في أوربا الشرقية؟ ألم يحن الوقت أن نعيد للمواطن جزءا قليلا من حريته التي كان يحلم بها قبل نصف قرن ولايزال يحلم؟ ألم يحن الوقت لنقول بصراحة أن المواطنين جميعا متساوون في الحقوق والواجبات ولا يجوز منح أية امتيازات لفئة محددة بسبب انتمائها السياسي؟ وحجبها عن الآخر للسبب نفسه لكونه مخالفا له في الرأي؟

   هذه الأسئلة وغيرها الكثير تقف غصة في حلق المواطن ولا يملك الجرأة في البوح بها لما تملكه من خوف مزمن خلال تلك الفترة الطويلة على أيدي الأجهزة الأمنية للحكومات المتعاقبة!! ألم يحن اليوم الذي يشعر فيه المواطن بأن الأمن أمنٌ له وليس عليه؟ لتكن ذكرى الجلاء في القرن الجديد بداية الإجابة الصحيحة على هذه الأسئلة الكبيرة المطروحة.€

 

شعبنا

يحتفل بعيد نوروز القومي

رغم بعض المنغصات

     كالعادة, خرج مئات الآلاف من جماهير شعبنا الكردي يوم 21 آذار إلى أحضان الطبيعة بضواحي المدن وفي الأرياف تعبيرا عن فرحهم بعيد المحبة والسلام وانتصار الخير على الشر, ورغم تمتع المحتفلين بالربيع الجميل إلا أن شعورا داخليا متسما بالأسى والقلق كان ينتابهم بسبب معاناة شعبنا من الاضطهاد والمشاريع العنصرية المقيتة, وحرمانه من أبسط حقوقه القومية والإنسانية أسوة بالشعب العربي في سوريا.

    ويمكن القول أن العيد مر دون مشاكل تذكر في الجزيرة, حيث كان الناس يخشون تكرار التحرشات الصبيانية العدوانية بمواكب نوروز, ولكن هذا لم يحدث هذا العام, ويبدو أن الجهود المبذولة من قبل بعض الوطنيين مع السيد مدير منطقة القامشلي حول ضرورة قيام عناصر الشرطة بضمان أمن وسلامة الكرد المحتفلين بنوروز, هذه الجهود قد نجحت. لكن حادث سير مؤلما لإحدى السيارات الناقلة قد أدى إلى وفاة شاب وطفلة في منطقة ديريك, وبذلك حزن وتألم كل من سمع الخبر من الكرد وتمنوا الشفاء العاجل للجرحى, والرحمة لشهيدي الحادث, ولذويهم الصبر والسلوان. كذلك غرق طفل عمره 13 عاما, عند ينابيع نهر خابور بمدينة سري كانيي /Serκ Kaniyκ/ يوم العيد.

   أما في محافظة حلب وجبل الكرد وكوباني فإن أجهزة السلطة قامت ببعض المضايقات واعتقلت العشرات من الذين أوقدوا مشاعل العيد, هذا ما عكر صفو العيد وبهجته.

   أما في ضواحي العاصمة دمشق فقد احتفلت الجماهير الكردية كالعادة وقدمت الفرق الفنية الكردية عروضا فلكلوريا جميلة, وكان ملفتا للانتباه ومثيرا للإعجاب ما قدمته فرقة أرخوان Erxewan الكردية.

   إننا نطالب السلطات بوضع حد للتدخلات السافرة في شؤون المحتفلين بعيد نوروز, والكف عن ملاحقتهم واعتقالهم, كما نطالب بإطلاق سراح المعتقلين دون تأخير. وتقتضي مصلحة الوطن, وإنصاف شعبنا, أن يعترف  النظام بعيد نوروز بشكل رسمي كعيد قومي, وتمكين شعبنا من الاحتفال دون أية منغصات.

   وفيما يلي كلمة نوروز التي أصدرها حزبنا بهذه المناسبة الغالية:

نوروز جديد ومهام جسام

  يا أبناء وبنات شعبنا الكردي العظيم

  نستقبل نوروز هذا العام في مطلع الألفية الثالثة, وشعبنا الكردي يئن تحت وطأة الظلم والقمع والحرمان على صعيد كردستان عموما وفي الجزء الكردستاني الملحق بسوريا بشكل خاص, فكردستان تركيا ترزح تحت نير المتطرفين الأتراك الذين يرفضون حتى الآن منح أية حقوق قومية للكرد, ويتجاهلون الضغوط الدولية الداعية إلى الالتزام بحل هذه القضية العادلة, وكردستان إيران محرومة من حقوقها القومية ولم يقر النظام الإيراني بأية حقوق رسمية في الدستور رغم بعض التسهيلات مؤخرا لا سيما في المجال الثقافي, وكردستان العراق في وضع محير؛ فمن جهة يدير الكرد شؤونهم بأنفسهم في كردستان المحررة وقد خطوا خطوات هامة في مجال البناء والتعليم والصحة والاقتصاد, ومن جهة أخرى يعاني الكرد الخاضعون لسيطرة نظام صدام الفاشي من التجريد من الهوية القومية ومن المساكن والممتلكات, ويرغمون على ترك مناطقهم التاريخية, ورغم مضي عشر سنوات على الانتفاضة الباسلة فإن الأخطار تهدد هذا الجزء من كردستان من جراء حالة اللاحرب واللاسلم واحتمالات تجدد الاقتتال الداخلي البغيض من جراء المؤامرات التي تحاك من قبل الأنظمة الغاصبة خاصة النظام العراقي الذي لا يمكن الوثوق به بعد التجارب المريرة معه.

    وإذا كانت التطورات العالمية في مجال الاتصالات والإعلام وتنامي دور المطالبين بتعميم الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان تعتبر مؤشرات يمكن الاستفادة منها من قبل الحركة التحررية الكردية, فإن الكرد مطالبون بإلحاح بأن يهيئوا العامل الذاتي بتوحيد جهودهم النضالية, والتحول من أجواء التصارع والتناحر إلى أجواء التضامن والتعاون والتفاهم, لكسب احترام وتأييد قوى الحرية والديمقراطية والسلام إلى جانب قضيتهم العادلة لإيجاد حل سلمي ديمقراطي لها.

   يا جماهير شعبنا المناضل

   إن قدوم نوروز إلينا هذا العام يجب أن يثير فينا معانيه النضالية القيمة التي تتمثل في رفض شعبنا للذل والهوان واستعداده للتضحية والبطولة من أجل وطن حر ديمقراطي ينعم فيه بالكرامة والسعادة؛ فتباشير ربيع هذا العام المتمثلة في الأمطار الغزيرة والأرض المخضرة, لا تدخل البسمة الحقيقية إلى قلوب جماهير شعبنا, لأنها مضطهدة ومحرومة من أبسط حقوقها الإنسانية والقومية, فالنظام يتجاهل وجود شعب يزيد تعداده على مليوني نسمة ويعيش على أرضه التاريخية منذ عشرات القرون, والمشاريع العنصرية البغيضة أحالت حياة الكرد إلى جحيم لا يطاق؛ ذلك أن حوالي ربع مليون مواطن كردي محرومون من الجنسية والحقوق المدنية, والمستوطنات العربية المزروعة في منطقة الحزام العربي جعلت السكان الكرد كالغرباء على أرضهم, بالإضافة إلى تعريب أسماء المراكز البشرية الكردية, والرقابة الأمنية المشددة والحصار الاقتصادي؛ هذه العوامل أدت إلى تهجير الكرد من مناطقهم التاريخية, وتتجلى حاليا في اضطرار أعداد كبيرة منهم إلى الهجرة إلى أوربا وغيرها وإلى ضواحي المدن السورية الكبرى طلبا للقمة العيش الضرورية لاستمرار الحياة التي أصبحت بالغة الصعوبة في ظل الاضطهاد والتمييز العنصري وفقدان العدالة والقانون.

   إن شعبنا الكردي أمام مرحلة حساسة وامتحان صعب, وينبغي مواجهتها بالصمود والشجاعة, وليس أمامنا سوى تفعيل النضال السياسي الجماهيري دون تردد, بعد ثبوت عدم جدوى أساليب الاستجداء والتملق, لنتمكن من رفع كابوس الظلم والتمييز عن كاهلنا, ونمكن شعبنا من التنعم بالمساواة التامة في الحقوق والواجبات مع الشعب العربي في سوريا, فالوطن المشترك هو للجميع. وقد ساهمنا بقوة في بناء الوطن وحمايته, وكان لنا دورنا البارز في مرحلة الانتداب الفرنسي وحتى ما بعد الاستقلال, لكن سيطرة غلاة القوميين العرب على السلطة منذ الستينات وحتى الآن, أدى إلى إلغاء دورنا وحرماننا من أبسط حقوقنا, وهذا الوضع غير الطبيعي يحتم علينا تجاوز الخلافات الهامشية فيما بيننا وتوحيد الطاقات النضالية لأجل إزالة الاضطهاد والتمييز عن كاهلنا وتأمين حقوقنا القومية المشروعة بحيث يكون لنا تمثيل في كافة السلطات حسب نسبتنا في عدد السكان.

    إن روح نوروز النضالية تطالبنا أن نكون عند مستوى المسؤولية التاريخية, وذلك بأن نقوم بواجبنا النضالي المقدس تجاه ما يتعرض له شعبنا من مشاريع عنصرية ومعاملة لا إنسانية, عن محنتنا لا تحل بالهجرة التي يفرضها النظام علينا, علينا أن نتشبث بالأرض والتاريخ ونصمد أمام الشدائد. وحري بنا أيضا –نحن أبناء وبنات الشعب الكردي جميعا- أن نؤدي واجبنا تجاه أنفسنا, ونعقد العزم على وضع كل إمكاناتنا البشرية والمادية في خدمة قضيتنا العادلة.

   الخزي والعار لمضطهدي شعبنا المظلوم.

   المجد لنوروز رمزا للنضال والسلام.

   تحية من الأعماق لروح شهيد نوروز سليمان آدي.€

 

 نوروز 2001                                   اللجنة السياسية

لحزب يكيتي الكردي في سوريا  

 

 

وزير الداخلية يتراجع

عن تعميمه العنصري

   يبدو أن الاحتجاج والاستنكار من قبل جماهير شعبنا الكردي وقواه السياسية الوطنية, ومن قبل بعض المنصفين العرب في البلاد, قد أثمرت هذه المرة في دفع وزير الداخلية إلى إلغاء تعميمه الصادر في 31/12/2000 بشأن المواطنين الذين يفقدون هوياتهم الشخصية, والذي ميّز فيه بصراحة بين المواطن من أصل كردي والمواطن من أصل عربي, أثناء إجراءات التحقيق ومنح الهوية الشخصية البديلة عن المفقودة.

   فإثر صدور التعميم العنصري, بادر حزبنا ومعظم الأحزاب الوطنية الكردية إلى نشر نص التعميم والتعليق عليه وإدانته, وبات مضمون التعميم حديث الشارع الكردي ومثار استهجانه, كما أثير الموضوع في بعض المحافل السياسية مثل منتدى بدرخان بالقامشلي أثناء قيام السيد جاد الكريم الجباعي بإلقاء محاضرة حول بعض القضايا الراهنة, وحينها تحدث أحد أعضاء اللجنة السياسية لحزبنا ودعا إلى المساواة بين المواطنين, وفضح الطابع العنصري لتعميم وزير الداخلية أمام جمهور من المثقفين والسياسيين العرب والكرد والآشوريين. كما قام أحد المحامين الكرد في الحسكة بإثارة ذلك التعميم لدى نقابة محامي المحافظة, وأكد أن التعميم الذي يتضمن التمييز بين مواطن وآخر حسب القومية أو العرق أو المذهب يتنافى مع نصوص الدستور السوري الذي يساوي بين جميع المواطنين في الحقوق والواجبات, وقد قام وفد من محامي المحافظة بعد ذلك بإثارة هذه المسألة في المؤتمر العام للمحامين السوريين بدمشق ونجح في إقناع أعضاء المؤتمر بضرورة العمل على إلغاء ذلك التعميم المخالف للدستور, وقبل ذلك كان بعض قيادي الحركة الكردية قد أبدوا استياءهم من هذا التعميم العنصري لدى كل من محافظ الحسكة وأمين فرع حزب البعث العربي الاشتراكي.

   إن سمة هذه المرحلة على الصعيد العالمي تتميز ببروز دور منظمات حقوق الإنسان وسيادة القانون والديمقراطية, وتتزايد الضغوط يوما بعد آخر على الحكومات والمسؤولين الذين يمارسون التجاوز على القانون سواء بحق مواطنيهم أو بحق بعض الشعوب المضطهدة. ومن هنا فإن الممارسات العنصرية في أي مكان من العالم باتت مكشوفة أمام أنظار العالم ومحط إدانته, ومن الأفضل لبقايا العنصريين أن يكفوا عن ممارساتهم القمعية واللاإنسانية, ويبيضوا صفحة بلدانهم أمام الرأي العام العالمي.

    وبمناسبة إلغاء وزير الداخلية تعميمه العنصري نذكره ونذكر بقية المسؤولين وأصحاب القرارات في البلاد بأن هناك تدابير وإجراءات ومشاريع عنصرية كثيرة مطبقة على شعبنا الكردي, ينبغي إلغاؤها, لأن الوطن يتسع لجميع أبنائه وهم شركاء فيه, في السرّاء والضرّاء, لاسيما إذا علمنا أن التمييز العنصري يضر بالوحدة الوطنية ويضعف الشعور الوطني ويعرقل التطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي.

    وفيما يلي نص التعميم الجديد الذي يلغي فيه التعميم السابق:

  الجمهورية العربية السوريقوى الأمن الداخلي

وزارة الداخلية إدارة النظم والإدارة

الرقم /139/ص        التاريخ 18/11/1421هـ   الموافق: 11/2/2001م

 

تعميم

تتبع عند منح البطاقات الشخصية الإجراءات التالية:

1-                  تنظيم استمارة البطاقة الشخصية للمواطن بحضور معرفين اثنين استنادا للمادة الثالثة من المرسوم التشريعي رقم /11/ تاريخ 14/5/1981م.

2-                  يتوجب على الوحدة الشرطية المحال إليها الادعاء بفقدان بطاقة شخصية أو تلفها تنظيم الضبط اللازم بكيفية الفقدان أو التلف من قبل ضابط حصرا وعلى ثلاث نسخ: الأولى إلى أمانة السجل التي منحت البطاقة والثانية إلى فرع الأمن السياسي والثالثة للمصنف في محافظة مكان قيد صاحب البطاقة.

3-                  ترسل نسخة من الضبط إلى فرع الأمن السياسي بالمحافظة المعنية مرفقا به إحالة من أمين السجل المدني يبين فيها فيما إذا كان المواطن صاحب البطاقة قد حصل على أكثر من بطاقة شخصية, ولا تنظم الاستمارة الجديدة إلا بعد ورود الموافقة الأمنية من قبل فرع الأمن السياسي.

4-                  تدقق الاستمارة من قبل أمين السجل المدني بالذات للتأكد وعلى مسؤوليته بأن الصورة الملصقة عليها صحيحة ومطابقة لناصية حال صاحب الاستمارة, وعند الاشتباه بأية استمارة بأية استمارة تحال إلى الوحدة الشرطية المختصة للتحقيق.

5-                  تنظم أمانة السجل المدني الجداول التالية:

أ-                    جدولا بأسماء المواطنين الذين نظموا استمارة بطاقاتهم الشخصية عند إكمالهم سن الرابعة عشر ولم يتجاوز سن الخامسة عشرة من عمرهم.

ب-                  جدولا بأسماء المواطنين الذين تجاوزوا سن الخامسة عشر من عمرهم عند تنظيمهم الاستمارة لأول مرة أو عند التبديل لأي سبب كان.

ج-                  جدولا بأسماء أصحاب البطاقات المفقودة أو التالفة.

6-                  ترسل الجداول المذكورة في الفقرتين (ب-ج) إلى فرع الأمن السياسي المختص ع/ط مديرية الشؤون المدنية لتدقيقها أصولا واتخاذ الإجراءات الضرورية بالتنسيق مع مديرية الشؤون المدنية المختصة.

7-                  أ- تصرف البطاقات الشخصية للمواطنين الواردة أسماؤهم في الفقرة (أ) من البند /5/ مباشرة بعد تصنيعها من دون حاجة لاتخاذ أي إجراء.

      ب- تصرف البطاقات للمواطنين الواردة أسماؤهم في الجدولين (ب-ج) من البند /5/ بعد ورود الموافقة الأمنية من فرع الأمن السياسي.

8-                  تمنح إشعارات السفر وفق الأسس التالية:

أ-                    يمنح المواطنون المذكورون بالفقرة (أ) من البند /5/ إشعارا بالسفر من دون حاجة لاتخاذ أي إجراء.

ب-                  أما المواطنون المذكورون بالفقرتين (ب-ج) من البند /5/ فلا يمنحون إشعارا بالسفر إلا بعد حصولهم على الموافقة الأمنية المطلوبة.

ج- أما المواطنون المقيمون خارج القطر, ويحملون جوازات سفر سورية مبينة عليها إقامتهم أو جوازات سفر غير سورية, والذين نظموا استمارات بطاقاتهم الشخصية, فيجب أخذ موافقة الجهات الأمنية المختصة قبل منحهم إشعارات بالسفر, إذا أقاموا في القطر مدة تزيد على الثلاثة أشهر من تاريخ دخولهم إليه.

9-                  في حال صدور حكم قضائي مبرم بتصحيح قيد أيّ مواطن ينبغي على أمين السجل المدني عند تلقي هذا التصحيح إشعار الجهات التالية بذلك (شعبة الأمن السياسي – شعبة المخابرات – إدارة مخابرات القوى الجوية – إدارة الأمن الجنائي – إدارة الهجرة والجوازات – إدارة مكافحة المخدرات).

10-                تلغى التعليمات المخالفة لهذا التعميم

 

الدكتور محمد حربة

وزير الداخلية

 

أراضي مزارع الدولة ينبغي توزيعها على

السكان المحليين المحرومين فقط

   منذ أشهر وفلاحو القرى التي توجد بالقرب منها مزارع الدولة, التي قررت الدولة إلغاءها, يمنون النفس بالحصول على هذه الأراضي الزراعية, ذلك أن الدولة في أوساط الستينات من القرن الماضي, استولت على مساحات واسعة من أراضي القرى الكردية في الجزيرة, واستثمرتها في البداية لصالحها, لكن خطة عنصرية كانت قد رسمت آنذاك, نتيجة سياسة الاستعلاء القومي لحزب البعث والقاضية باضطهاد الكرد وسلبهم مستلزمات الحياة الأساسية, هذه الخطة قضت بتسليم مساحات واسعة من مزارع الدولة إلى مستوطنين عرب جيء بهم من محافظات أخرى. واليوم وبعد مضي ثلاثة عقود على مشروع الحزام العربي وشروع الدولة في إلغاء مزارع الدولة المتبقية, فإن الفلاحين الكرد المحرومين من أراضي قراهم التاريخية, يطالبون السلطات بألاّ تتكرر السياسة العنصرية المقيتة مرة أخرى, وأن توزع هذه الأراضي على الفلاحين المحرومين فحسب, لأنهم السكان الأصليون والأصحاب الحقيقيون لهذه الأرض أبا عن جد, ومن الإجحاف أن توزع هذه الأراضي على أي شخص لا يقطن المنطقة ولأي سبب كان.

   إن العدالة ومصلحة الوطن تقتضيان تجنب سياسة التمييز التي عفا عليها الزمن, وإنصاف الفلاحين المحليين توزيع الأرض عليهم أسوة بالفلاحين الذين وزعت عليهم الأرض في هذه المحافظة منذ أوساط الستينات. وإن أي إخلال بمنطق الحق والعدل في التوزيع سيخلق فتنا وقلاقل لا داعي لحدوثها, لاسيما إذا علمنا أن جلب أي أناس من خارج هذه المناطق وتوزيع الأرض عليهم سيجدد فتق الجروح التي لم تندمل بعد من جراء مشروع الحزام العربي العنصري.

   إننا نحمل السلطات مسؤولية أي تصرف عنصري جديد, ونطالب بتوزيع أراضي مزارع الدولة في جميع مناطق الجزيرة على السكان الأصليين المحرومين دون تمييز وعلى قدم المساواة.€

 

لماذا

يحرم أبناء الجزيرة من التوظيف في حقول النفط

بينما يستقدم أناس للتوظيف من محافظات بعيدة ؟ ؟

    لاشك أن اكتشاف النفط والغاز في محافظة الحسكة منذ عشرات السنين, قد كان بمثابة قاعدة للنهوض الاقتصادي لسكان المحافظة ولعموم المجتمع السوري. وفي البداية جرى توظيف أعداد لا بأس بها من سكان المحافظة خلال عمليات التنقيب والاستثمار, والحقيقة أن التوظيف هو حق لأبناء الجزيرة من عدة جوانب, فقد أدت عمليات الاستثمار إلى استيلاء الدولة على رقع واسعة من الأراضي التابعة لقرى المنطقة, كما أن نفايات البترول أثرت ولاتزال على الوديان القريبة, وقضت على خصوبة الأرض الزراعية, ناهيك عن الروائح الكريهة التي تنبعث من الغاز المرفق للبترول والتي تسيء إلى صحة سكان القرى القريبة منها في منطقة ديريك (المالكية) وناحية جل أغا (الجوادية) وناحية تربه سبي (قبور البيض-القحطانية) وغيرها.

   ولكن لوحظ في السنوات الأخيرة أن التمييز البغيض يمارس بحق السكان الكرد بشكل خاص وغيرهم من سكان المحافظة بشكل عام, حيث يحرم هؤلاء جميعا من التوظيف, ويأتي المسؤولون بشباب من محافظات بعيدة جدا, ويحرم سكان المحافظة من حقهم الطبيعي في التوظيف, وحتى بعض الشباب المتخرجين من معاهد إلزامية في التوظيف فإن كبار المسؤولين, ولاسيما المدير العام للشركة السورية للنفط في دمشق, يوظفون غيرهم من أبناء المحافظات البعيدة, ومن المثير السخط والاستنكار أن هؤلاء المستقدمين من مسافة مئات الكيلو مترات لا يقومون بواجبهم الوظيفي بالشكل الأمثل.

    إن هذه الظاهرة غير مقبولة على الإطلاق, ولا يمكن السكوت عنها لأنها بلغت حدا لا يطاق بعد أن زاد عدد الموظفين من المحافظات الغريبة أكثر من نصف مجموع العاملين في حقول الحسكة, وكمثال فإن أكثر من ثلاثة آلاف من هؤلاء موظفون في حقل الرميلان من أصل قرابة ستة آلاف عامل وموظف.

    إننا لسنا ضد توظيف أي شخص كفء في أي مكان ترتثيه الدولة, ولكن الأولوية يجب أن تكون للسكان المحليين القريبين من أماكن العمل والاستثمار, وهذا يكون حتما لصالح هؤلاء السكان ولمصلحة الدولة والوطن عموما. وإذا كانت الدولة جادة في مكافحة البطالة, فإن محافظة الحسكة تنتشر فيها البطالة بشكل كبير, ويدل على ذلك وجود عشرات الآلاف من سكانها في ضواحي دمشق وغيرها بحثا عن عمل يؤمن لقمة العيش لهم, ومن واجب الدولة ضمان استقرار سكان المحافظة بتشغيلهم في حقول البترول وإيجاد مصادر جديدة للتشغيل والاستقرار, علما أن أبناء المحافظة يملكون كفاءات علمية وخبرات لا تقل عن المحافظات الأخرى.€

 

معتقلو الرأي

بين مقولة "الانفتاح والتغيير"

واستمرار المراجعات الشهرية لأجهزة الأمن

   يبدو أن إنهاء الحالة المتردية التي وصلت إليها البلاد, بات حلما يدغدغ مشاعر وأحاسيس الجماهير وقواها السياسية التي تناست نمط الحياة السياسية والإدارية السائدة المتوارثة في البلاد, نتيجة تراكمات سلبية هائلة خلال فترة زمنية طويلة جعلت المواطن يتعامل معها كأمر واقع لا سبيل إلى تحسينه, وحتى الحديث عنه صار ضربا من المجازفة في ظل دولة "حصينية" يصونها «جيش» من الأمن, يستند في تبرير اضطهاده على جملة من الأحكام والقوانين الاستثنائية التي تكبح الحريات العامة وتهدر حقوق المواطن حتى أصبح الولاء للأفراد وسيادة المصلحة الذاتية فوق كل اعتبار بدل الانتماء إلى الوطن دون أي اعتبار للدستور الذي يفترض فيه أن يصون كرامة المواطن دون أي اعتبار للدستور الذي يفترض فيه أن يصون كرامة المواطن ويحمي حقوقه. فالمطلوب من السلطات دون سواها في هذه المرحلة بالذات والظروف بالغة الحساسية التي تمر بها البلاد والعالم أجمع أن تقوم بالتغيير والإصلاح الجدي والهادف المدعوم قبل كل شيء بإرادة صادقة وذلك بالعمل الدؤوب لإيجاد آليات سليمة وعقلانية للتغيير مثل: إطلاق الحريات العامة وتوفير الديمقراطية وإصدار قانون تنظيم الأحزاب لتفعيل حياة سياسية حضارية فاعلة وتشكيل مؤسسات المجتمع المدني وتحقيق العدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان وتعزيز الانتماء الوطني دون تمييز عرقي أو طائفي, ومحاربة الفساد ورموزه أينما وجدوا وإلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية وجميع القوانين الاستثنائية وتحجيم دور الأمن والحد من تدخلاته في كلما يخص المواطن وفي شؤون مختلف المؤسسات. ولكن للأسف نقول بأن ما يلوح في الأفق من تغيير وتحديث انتقائي وما يدور حول ذلك من أقاويل لا يحل ولو جزءا بسيطا من معاناة الشعب, وهو بالتالي بعيد كل البعد عن أماني وتطلعات الجماهير, بل هو بمثابة ذر الرماد في العيون. وما حصل منها ظلت في خانة العطايا والهبات, لأنها لم تترافق بقوانين جديدة أو معدلة, فحالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية بقيت كما هي, وظلت الأهواء والأمزجة تتحكم بصائر العباد, كما بقيت سياسة التعريب والتجريد والتمييز قائمة, وبقي سجناء سياسيون في السجون –رغم الإفراج عن بعضهم وفق لوائح أمنية معدة مسبقا. وأخيرا وليس أخرا سمعنا بوقف نشاط المنتديات التي كانت سبيلا إلى حوارات وطنية ديمقراطية جادة بين الساسة والمثقفين الوطنيين على اختلاف انتماءاتهم وأعراقهم, وكذلك إصدار وزير الداخلية للتعميم رقم          /1028/ص تاريخ 31/12/2000م والمتعلق بإجراءات فقدان البطاقة الشخصية (وتراجع عنه مؤخرا) والذي خص المواطن من أصل كردي في الفقرة الرابعة منه وميزه تمييزا عنصريا عن سواه من المواطنين. كما أن المفارقة العجيبة في الوقت الراهن بين ما هو واقع معاش وما هو متخيل تكمن في المراجعات الشهرية للسجناء السياسيين حصرا «الذين أنهوا أحكامهم» للفروع الأمنية, وبأسلوب قسري لا يخلو من العنف والإهانة والتهديد بالتوقيف العرفي إذا ما تخلفوا أو تأخروا عن الحضور في الموعد المحدد لهم مسبقا من قبل الفرع المعني دون أي سند قانوني وارد حتى في نص قرار الحكم نفسه, مع تحفظنا واستنكارنا للأحكام الجائرة الصادرة من المحاكم الاستثنائية بحق معظم سجناء الرأي الذين لا سلاح لهم سوى أقلامهم للدفاع عن مبادئهم ومن ضمنهم سجناء القضية الكردية أمام محكمة أمن الدولة التي تعتبر ممارسة العمل السياسي جريمة!! في بلد لا وجود فيه لقانون ينظم العمل الحزبي, والغرابة هنا تكمن في استمرارية وتزامن مثل هذه الإجراءات المزاجية مع نداءات دعاة المجتمع المدني وحوارات الديمقراطيين المطالبين من جملة ما يطالبون به من تغيير وتحديث وإصلاح بالإفراج عن السجناء السياسيين وإزالة ما اتخذ بحقهم من إجراءات تعسفية مثل (التجريد من الحقوق ومنعهم من مغادرة البلاد... الخ) وإعادة الاعتبار لهم وتعويضهم عما لحق بهم من أضرار مادية ومعنوية كي يعاملون بكرامة ولو اختلفوا مع غيرهم في الرأي مادام الهدف تحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية, ورغم جور الأحكام الآنفة مختصرا إضافة للظروف المعيشية الصعبة والتي يمر بها هؤلاء السجناء المجردون بعد أن حرموا من جملة ما حرموا منه وظائفهم, وسدت السلطات كل المنافذ في وجوههم, كل هذا ولازالت الاستدعاءات والمراجعات الشهرية مستمرة, إن مثل هذه الإجراءات الاستفزازية المدروسة تعد طعنا في صميم وطنية سجناء الرأي الذين اختاروا النضال السياسي والديمقراطي الواعي تعبيرا صادقا عن إدراكهم العميق لوطنيتهم, كما أنها تدفعهم دفعا إلى الاغتراب والهجرة بحثا عن مكان يؤمن لهم كرامتهم وتقدر فيه إنسانيتهم. فهل نعيش فعلا مخاض تحولات نغلفها بأمنيات جميلة عن غد سعيد وآمال تفرزها سيكولوجية إنسان مقهور؟ أم أن وقف مثل هذه المراجعات يخضع بدوره لإشكالية الواقع الممكن ويحتاج هو الآخر إلى دراسات مطولة ورصد ميزانيات؟

    ولكن في النهاية رغم كل هذا وذاك لابد من الإقرار بأنه لم يعد ما نشخصه ونؤديه دورا من الأدوار, بل الحياة ذاتها, بكل زخمها, وفي الحياة لا وجود للمتفرجين.€

 

 

حقيقة المؤامرة التي حيكت ضد

نادي الجهاد الرياضي

بالقامشلي

    تعد كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العالم, والتي تستقطب اهتمام العدد الأكبر من المشجعين لهذه اللعبة, فعدا عن أنها تعتبر نوعا من أنواع الرياضات التي تمارس كأية لعبة أخرى, فقد أصبحت تحقق ملايين الدولارات للأندية وللاعبين أنفسهم, حتى أصبح مثل في فرنسا الحلم الوردي لدى أي طفل بأن يصبح لاعب كرة قدم على حد قول اللاعب الفرنسي ميشيل بلاتيني. فما الوضع بالنسبة للرياضة السورية؟ دعونا نر !!!

    فكما تعلمون بأن اهتمام الجماهير الرياضية في بلدنا بدا يزداد شيئا فشيئا, خصوصا في الآونة الأخيرة, وبشكل قوي, وأصبح الناس يتابعون مباريات الدوري السوري بشغف, حتى إنهم يعرفون أسماء اللاعبين المشهورين أكثر من أي شيء, ودخلت كرة القدم كل بيت. كل هذا مرده إلى الأسباب التالية:

-عشق الناس لهذه اللعبة وممارسة إحدى هواياتهم المفضلة بحرية, وبدون قيد يستطيعون التعبير عن مكنوناتهم وعن ذاتهم بحرية ولو في هذا الجانب من الحياة على الأقل.

-ظروف الحياة الاقتصادية والاجتماعية الصعبة التي يمرون بها والتي تدفع بالإنسان إلى أن يبحث عن شيء يحاول به الترفيه عن نفسه ولو لفترة قصيرة ومؤقتة.

-تشجيع الدولة في توجيه أنظار الناس –وخاصة الشباب- نحو الرياضة, كي تلهيهم عن قضايا المجتمع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

    منذ صعود نادي الجهاد إلى مصاف أندية الدرجة الأولى (الدوري الممتاز حاليا) عام 1979 لم تتعد نتائجه أكثر من الوسط في الترتيب. أما هذا الموسم فقد قلب الأمور رأسا على عقب؛ فمن ألقابه المعروفة: بعبع الشمال, سفير الشمال, تحول إلى لقب «حصان الدوري الأبيض» وحافظ على المركز الثاني حتى الأسبوع قبل الأخير من الدوري, واحتكر لقب هداف الدوري بين اثنين من لاعبيه هما: هيثم كجو وماهر ملكي, ودعي ثلاثة من لاعبيه إلى صفوف المنتخب السوري. كل هذه النتائج جعلت من الجهاد النادي الألمع والأكثر شهرة في الدوري السوري. ولكن ما الذي حدث فجأة لهذا النادي وأضاع حلمه بنيل اللقب الأول يا ترى؟!

     أولا: تعتبر مدينة القامشلي الرافد الأساس لهذا النادي. ومحطة القامشلي الرياضية من أصعب المحطات لدى أندية وحكام العاصمة والداخل لا لشيء, وإنما لبعد المسافة فقط.

   ثانيا: النتائج الرائعة لكرة الجهاد خطفت الأضواء من ملاعب العاصمة والداخل واتجهت نحو العاصمة الرياضية «القامشلي»؛ فقد حقق الجهاد بطولة سوريا لفئة الناشئين, وفريق الشباب كان في الصدارة حتى الأسبوع قبل الأخير, ورجاله كانوا بالمركز الثاني وكانوا أصحاب أقوى خط هجوم في الدوري, كما كان في طريقه نحو لقب كأس الجمهورية. ويعود الفضل إلى التفاف أبناء الجزيرة حول هذا النادي, وإلى دور إدارة النادي ومدربيه السادة: موسى شماس مدرب الرجال, محيي الدين تمو مدرب الشباب, بيرج سركيسيان مدرب الناشئين, بسبب الجهود التي قدموها وبسبب حسن اختيارهم اللاعبين بعكس أغلب الأندية السورية والتي تلعب الوساطة فيها دورا مهما في فرض اللاعب.

   هذه العوامل جعلت من كرة الجهاد أحد أقطاب الكرة السورية الحديثة, متفوقة بذلك على أندية العاصمة والمحافظات الداخلية الأخرى رغم إمكانياته المادية المتواضعة. ولأن هذا لا يروق للبعض في القيادة الرياضية ومن ورائها الأندية المدللة لديها فحاولت بشتى الوسائل النيل من كرة الجهاد, حيث كان حذف النقاط والعقوبات الجائرة مستمرا بحق هذا النادي في كل سنة بهدف إسقاطه إلى الدرجة الثانية ولكنهم كانوا يفشلون دائما بسبب جهاد وصمود الجهاد. أما في هذا الموسم الكروي فقد استبشرت جماهير الجهاد خيرا بأن فريقهم لم تنله أية عقوبة, ولكن الذي حدث في الأسبوع الأخير من عمر الدوري, أن بعض الفرق أحست بحراجة موقفها, فقد تأكدت بأن نادي الجهاد سيحصد كافة البطولات وهذا يزعجها جدا, والآخر الذي يحاول النجاة من الهبوط (نادي جبلة) بعد أن كانوا أبطالا وهميين للدوري في السنوات السابقة, من هنا بدأت المؤامرات تحاك من كل جهة ضد هذا النادي المظلوم؛ وهذا الظلم جزء من مظالم سكان محافظة الحسكة. وعلى الرغم من أنها مصدر أغلب خيرات سوريا (نفط, غاز, حبوب, قطن, خضار..) فهي اكثر إهمالا, وتباع فيها المواد بأغلى الأسعار.

    ففي الأسبوع الثالث والعشرين جرت كافة المباريات بنفس اليوم وعلى ملاعب معشبة عدا مباراة الجهاد والحرية تأجلت إلى اليوم التالي ونقلت إلى ملعب التارتان (ذي العشب الصناعي) مع العلم أن الملعب التارتاني ألغي منذ سنوات في جميع أنحاء العالم, كما أن اللعب على التارتان يحتاج أحذية رياضية خاصة لا يملكها لاعبو الجهاد إضافة إلى أن إصابة اللاعب تعني نهايته –رياضيا- هذا من ناحية, ومن ناحية أخرى استبدل طاقم التحكم وذلك وفقا لاتفاقية نادي الحرية –حلب- مع نادي جبلة المدلل, حيث تنازل الحرية –حسب الاتفاقية- عن كامل نقاطه لنادي جبلة مقابل تطبيق حكام مباراة الحرية والجهاد, وتم ذلك فعلا, وحدثت مشاكل من قبل جمهور الحرية «الذي كشف المؤامرة» بعد المباراة, ولكن جرى الكتمان عليه ولم يعاقب أحد. كل هذه التنازلات من قبل الحرية كانت مشروطة بدخوله ضمن المربع الذهبي بدل الجهاد بعد الأسبوع الأخير من الدوري «وتم ذلك فعلا وبقرار اتحادي» وفعلا فقد خسر الجهاد رجالا وشبابا على الملعب التارتاني ومني شبابه بخسارة فادحة علما أنهم لم يخسروا سوى مباراة واحدة طيلة الدوري كله!! فكيف يخسر أمام الحرية وبهذه النتيجة الثقيلة (5-0). ؟!!

   بعد هذه الخسارة شعر الجميع –لاعبين وإدارة- بنوع من الإحباط وشعور بالظلم, كما سادت مدينة القامشلي أجواء مشحونة جدا بين مشجعي النادي نتيجة الضغوطات التي تعرضت لها إدارة النادي من قبل جهات عديدة ومسؤولة بهدف إعطاء المباراة لنادي جبلة لإنقاذه من شبح الهبوط. وحتى لا تحدث أي اتفاقية قامت الإدارة بإخفاء اللاعبين عن الأنظار خاصة بعد أن رفض اتحاد الكرة اعتراض نادي الجهاد على حكام  المباراة وعلى رأسهم عبد الله جركس. والجهاد كان حرم من جهود ثلاثة من لاعبيه الأساسيين نتيجة تلقيهم بطاقات صفراء جائرة حرمتهم من اللعب ضد نادي جبلة وذلك خلال مباراتهم مع الحرية.

    وما أن بدأت المباراة حتى بدا واضحا انحياز الحكام لصالح جبلة مما أثار غضب الجماهير الرياضية وأثارت على نفسية اللاعبين ومعنوياتهم, ولأن جبلة كان قد جاء لإثارة المشاكل في الملعب فقد عمد مدربهم وأحد أعضاء إدارتهم بالتلويح ببعض الإشارة اللاأخلاقية نحو جمهور الجهاد مما أثار سخطهم وعبروا عن ذلك بقذف الحجارة. وبعد أن أنهى الحكم المباراة لصالح جبلة قبل وقتها مع عدم احتساب أكثر من 15 دقيقة وقت بدل ضائع حتى اندفعت الشرطة العسكرية نحو المدرجات المليئة بالمشجعين وانهالت عليهم ضربا, حتى أن بعضهم كان يرمي الجمهور بالحجارة. وعلى إثر هذا الاصطدام لقوات الشرطة مع الجمهور قامت الجماهير بحرق سيارة للشرطة وتحطيم زجاجات سيارات أخرى, جرت بعدها اعتقالات عشوائية من قبل الشرطة شملت أكثر من 100 طفل وشاب (حوادث مشابهة وأقوى جرت في ملاعب سورية وجرى التكتم عليها) ثم ما ذنب مدرب شباب الجهاد محيي الدين تمو الذي أوقف لدى الشرطة العسكرية بنفس الحجة, لماذا؟ لأنه تحدث مع حكم المباراة واعترض على الهدف المشكوك في هذا تتم معالجة أحداث الشغب بالبحث عن سبب الرئيسي له كما يقول أحد الصحفيين في صحيفة «الموقف الرياضي»: "حتى نقضي على الشغب يجب القضاء على أسبابه وتحقيق العدالة في الدوري".

    بعد توقيف هذا الكم من مثيري الشغب –على حد زعمهم- لدى الشرطة العسكرية والأمن الجنائي عدة أيام تم تحويل حوالي 40 منهم إلى محكمة أمن الدولة بدمشق مكبلين بسلاسل حديدية –وكأنهم مجرمون- للبت بوضعهم, وبقي الآخرون في السجن بمدينة القامشلي.

   لقد جرى تحطيم كل شيء جميل لدى أبناء الجزيرة,وبدت علامات الأسى والحزن على الوجوه, وكل يقول في نفسه: لم كل هذا الظلم حتى في الرياضة!! حتى أن المدرب موسى شماس –هذا الرياضي الخلوق الذي خدم الكرة السورية سنوات طويلة– قال بعد المباراة بأنه لأول مرة يحس بالظلم والقهر في بلده. وإدارة نادي الجهاد بادرت على الفور إلى تقديم استقالتها كتعبير عن استنكارها للظلم الذي لحق بناديها.

   وفي الجانب الآخر وبنفس اليوم جرى تآمر ممثل على نادي الفتوة في ملعب الجلاء بدمشق ليخدم الهدف نفسه –عدم هبوط جبلة- مما تسبب في إحداث مصادمات قوية بين أنصار الفتوة وقوات الشرطة العسكرية قدرت الخسائر بـ 180 ألف دولارا نتيجة الظلم الذي لحق بالفتوة, وجرى اعتقال العديد من المشجعين. وجرى ما جرى, واستفاق أنصار الجهاد والفتوة من حلمهم المرعب وكلهم أمل بأن كل ما جرى –وأمام أعين الجميع- لن يمر هكذا دون محاسبة, وكثرت المراهنات على ذلك, ولكن الذي حدث أن تمخض الجمل فأنجب فأرا. وحدث ما توقعناه, حيث أصدر المكتب التنفيذي عدة قرارات بعيدة عن روح العدالة والإنصاف بحق الأندية المظلومة, وعقيمة للخروج من أزمة الرياضة السورية.

    بعد كل هذه المؤامرات والفضائح المكشوفة للجميع هل تستطيع القيادة الرياضية إخفاء الأمور على طريق النعامة؟!! بأي حق يتم تفضيل ناد على ناد آخر؟!! أليس الجميع أبناء هذا الوطن!! ترى ماذا سيكون شعور ذلك المدرب الخلوق الذي قدم حياته في سبيل خدمة الرياضة في هذا البلد وخدمة ناديه بعد ذلك التعامل القاسي والعنيف معه علما أنه نجا سابقا من حادث باص نادي الجهاد وهو في طريقه للعب إحدى مبارياته.

   نعلم جميعا أن جميع دول العالم تدفع الملايين في سبيل صنع المواهب الرياضة وتطويرها ليدفعوا عن ألوان علم بلادهم, عكس ما يحدث في بلدنا, فمثلا تمتلك القامشلي مواهب رياضة واعدة أمثال هيثم كجو, ماهر ملكي, سامر سعيد, قذافي عصمت, سليمان يوسف, جومرد موسى.. وغيرهم من النجوم, أيعقل أن نتعامل معهم هكذا, ونحطمهم بهذه الطريقة ونقضي على كل ما هو مبدع وخلاق لديهم؟؟!! سؤال برسم الإجابة نضعه أمام القيادة الرياضية.€

  

في تركيا

الاضطرابات الأخيرة

بين الأسباب والنتائج

     تشهد تركيا ومنذ أيام اضطرابات عنيفة لم يسبق لها أن واجهت مثلها من قبل, بسبب التدهور المفاجئ والحاد لقيمة العملة التركية في الآونة الأخيرة والتي انعكست بصورة كارثية على الوضع الاقتصادي والاجتماعي المعقد والمتأزم أصلا. ويرجع المراقبون أن تستمر هذه الاضطرابات وتتصاعد خلال الفترة القريبة القادمة رغم العنف الذي تمارسه آلة القمع العسكرية التركية لإخماده. ويبدو أن أولى نتائج هذه الاضطرابات ستكون سقوط الائتلاف الحكومي الذي يرأسه بولند أجاويد, والدعوة لأنتخابات مبكرة والتي أصبحت ظاهرة تركية بامتياز بسبب الأزمات الحكومية التي تعاني منها تركية منذ سنوات, والتي بات تضع استفهامات كبيرة على صلاحية وفاعلية الصيغة الديمقراطية التركية المحكومة بتحديات وعوامل كثيرة والتي تتعرض لأنتقادات واسعة من لدن المجتمع الدولي, وحتى من حلفاء تركيا المقربين.

    بالتأكيد, فإن تدهور قيمة العملة التركية وانعكاساتها الكارثية على الوضع الاقتصادي والمعاشي للشعوب التركية لم يكن ظاهرة جديدة وإن لم تكن بالحدة التي ظهرت بها مؤخرا. فالعملة التركية لم تشهد استقرارا منذ بداية الثمانينات, وبالنسبة للمواطنين في تركيا كان الاحتفاظ بالعملة التركية أمرا لا يحمد عقباه وبالتالي كان التوجه إلى التعامل بالعملات الصعبة (الدولار والمارك) أكثر من التعامل بالعملة التركية التي كانت تفقد قيمتها باطراد بسبب تدهور الوضع الاقتصادي العام. وسبب كل ذلك يعود برأي المراقبين إلى حجم الإنفاق العسكري الجنوني الذي يأتي بطبيعة الحال على حساب الأنفاق على النمو الاقتصادي, وتحسين أوضاع المواطنين, والسبب في كل ذلك هو السمة العسكريتارية المهيمنة على طابع الدولة التركية التي ما فتنت تخرج من جبهة عسكرية لتفتح جبهات أخرى لتصدير أزمات تركيا الداخلية عبر الخيارات العسكرية الداخلية والإقليمية بدل حلها بالطرق السلمية وطرق الحوار, وفي مقدمة تلك الأزمات القضية الكردية التي تكلف الميزانية التركية سنويا مليارات الدولارات بسبب الحرب الطويلة التي يشنها الجيش التركي –ومنذ سبعة عشر عاما- على الشعب الكردي وحركته الوطنية, والتي تخللتها صدمات مسلحة بين الطرفين؛ والتي شكلت –باعتراف المسؤولين الأتراك- عبئا ثقيلا على ميزانية الدولة التركية ومؤسساتها الاقتصادية.

   بالإضافة إلى ذلك ثمة أسباب أخرى لتدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تركيا, منها أولا: فساد الصيغة التركية للديمقراطية والتي تتجلى في تكرار الرموز السياسية والحزبية نفسها ببرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المستهلكة على سدة الحكومات التركية؛ فـ بولند أجاويد مثلا ومنذ بداية السبعينات تناوب عدة مرات على رئاسة الحكومة التركية رغم أن كل ولاية له كانت تنتهي بأزمة سياسية حكومية أو بانقلاب عسكري لفشل برامجه الحكومية في إخراج تركيا من أزمتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية, الأمر الذي جعل من إمكانية تجديد وتطوير الدولة والمجتمع التركي وتحقيق معدلات نمو حقيقية إمكانية تجديد وتطوير الدولة والمجتمع التركي وتحقيق معدلات نمو حقيقية إمكانية محدودة جدا. ثانيا: كانت تركيا باستمرار استثناء لصيغ الحكم المعروفة العسكرية منها والمدنية, فهي كانت ولازالت تعاني ازدواجية حادة بين مؤسستين تتنازعان على السيطرة وتقرير الأوضاع السياسية والاقتصادي والاجتماعية؛ وهما المؤسسة العسكرية المعروفة بعراقتها في التدخل في الحياة السياسية التركية, والمؤسسة المدنية التي حاولت أن تتحرر من أسر المؤسسة العسكرية لتأخذ دورها الحقيقي في تقرير أوضاع تركيا السياسية والاقتصادية.

    لكن الواقع, أن الحكومات المدنية التي تتأسس وفق قواعد اللعبة الديمقراطية, والتي من المفترض أن تتحمل مسؤولية اتخاذ القرار في تركيا هي حكومات غير فاعلة, أو هي حكومات ديكور مدنية, بينما عمليا المؤسسة العسكرية هي التي تحكم, وإن كانت من وراء الستار, وتقبض على كل مفاتيح تقرير الأوضاع الداخلية والسياسات الخارجية, وبالتالي فالحكومات التركية على علاتها ليست حرة في إطلاق البرامج التي تراها مناسبة لمعالجة مشكلات تركيا الداخلية والخارجية, وهي مرغمة على مراعاة توجهات المؤسسة العسكرية قبل أن تراعي حاجات تركيا. وأية حكومة تخرج عن هذا التقليد مصيرها السقوط, كما حدث مع حكومة نجم الدين أربكان, ذات لتوجه الإسلامي, أو حكومة تانسو تشيلر, أو كما حدث في الانقلابات التي نفذتها المؤسسة العسكرية. وبذلك أصبحت اللعبة الديمقراطية التركية مجرد ديكور سياسي لتسويق تركيا كدولة متحضرة في الخارج.

   ولذلك ستبقى مشكلات تركيا الاقتصادية والاجتماعية قائمة, وسيبقى حلمها للدخول إلى أوربا في ظل بقاء هذه المشكلات, بعيد المنال, وسيبقى الوضع الاقتصادي يسير من سيئ إلى أسوأ ومعرضا للهزات والانفجار طالما بقيت المؤسسة العسكرية بطابعها الفاشي والشوفيني تسيطر على زمام الأمور في تركيا, وبقيت تتعامل بخياراتها العسكرية الفاشلة في معالجة قضاياها الداخلية التي تكلف الميزانية التركية ومؤسساتها أفدح الخسائر, وعلى رأس هذه القضايا القضية الكردية التي تطرح نفسها وبقوة للحل. وكذلك إذا بقيت الصيغة التركية للديمقراطية على فسادها, ولم تبحث تركيا عن بدائل ديمقراطية حقيقية ترسخ القواعد الصحيحة للعملية الديمقراطية وتخلص الدولة من ازدواجية مؤسسات الحكم.€