(70-71) في هذا العدد

 

*  القضية الكردية والخطاب العربي الديمقراطي 2

*  رياض سيف يعلن مشروع حزب سياسي4

*  حضور عضو اللجنة السياسية منتدى الحوار الوطني 19

*  قرار وقف نشاط المنتديات لم يكن مفاجئا 32

*  منتدى جلادات بين مقولة الرأي وهراوة الأمن 36

*  كونفرانس أكراد سوريا في النرويج 38

*  رسالة تعزية / فرنسو حريري 40

*  عن المرأة في يوم عيدها 43

 

القضية الكردية محك مصداقية

الخطاب الديمقراطي العربي في البلاد

     أخفق الخطاب السياسي العربي القومي والاشتراكي, وكذلك الإسلامي, في مقاربة القضية القومية الكردية في سوريا حتى اليوم, كما أخفق في استيعاب الخطورة التي يشكلها بقاء هذه القضية دون حل على مختلف جوانب الحياة في البلاد, رغم أن التجربة العراقية إزاء هذه القضية كانت تعطي دروسا قاسية لا يزال العراق يكابد نتائج الكوارث التي حلت به جراء التعامل الإلغائي معها.

    فالخطاب العربي السوري القومي –الذي مثله حزب البعث بصورة رئيسية, والأحزاب الناصرية- تميز بالانغلاق القومي وغلب عليه الطابع العنصري الشوفيني إزاء هذه القضية, إذ اعتبر كل من يعيش ضمن حدود الدولة السورية عربيا أو ينبغي أن يكون كذلك, وخاصة خطاب حزب البعث الذي يتسلم مقاليد السلطة في البلاد, وكان نصيب الشعب الكردي من هذه السياسية كبيرا. وبذلك بدا الخطاب القومي العربي السوري الأكثر تناقضا والأقل مصداقية في طروحاته؛ فمن جهة اعتبر نفسه خطابا تحرريا يناهض الاضطهاد القومي والاستعمار, ومن جهة أخرى كان يدعو ويعمل على نزع الخصائص القومية للقوميات الأخرى في البلاد, والتي ربطت التقسيمات الاستعمارية مصيرها بمصير الشعوب العربية, ومن ثم السعي لإلغاء وجودها القومي.

    أما الخطاب الاشتراكي وإن لم يكن بحدية الخطاب القومي تجاه القضية الكردية إلا أنه هو الآخر حارب القضية الكردية وإن كان تحت عناوين مختلفة شكلا, واعتبر المسألة القومية والدعوة للاشتراكية قضيتين متناقضتين, الأمر الذي كان يتناقض تماما مع الخطاب الاشتراكي الماركسي الذي كان يحترم القضايا القومية, ويقدم لها حلولا. ولا نخفي أن هذا التناقض مع المبادئ الاشتراكية الذي ظهر به الخطاب الاشتراكي في سوريا كان يحدث بتأثير نزعة قومية عربية كانت تتبلور في إطار الأحزاب التي تتبنى الخطاب الاشتراكي.

   وبالنسبة للخطاب الإسلامي؛ فقد كان يرفض أصلا فكرة القومية, فهو آخر من يمكن أن يعول عليه إمكانية فهم القضايا القومية.

   ولذلك نخشى أن يكون الخطاب الديمقراطي السوري, الذي بدأ يتبلور, والمتردد حتى هذه اللحظة في المبادرة على الأقل في طرح هذه القضية ومناقشتها, نخشى أن يسير في نفس الاتجاه الذي سار فيه الخطاب العربي السوري القومي والاشتراكي وكذلك الإسلامي, خاصة وأن قسما كبيرا من أصحاب هذا الخطاب ينتمي تاريخيا إلى الاتجاهين القومي والاشتراكي. وإلا لا يمكن لنا أن نسلم بخطاب ديمقراطي مجزأ يطرح كل قضايا الوطن ويتحاشى تناول القضية الكردية, خاصة وأننا نعتقد بأن هذا الخطاب لن يكون خطابا ديمقراطيا حقيقيا إن لم يضع كل قضايا ومشكلات البلاد في المستوى نفسه من الأهمية.

   كما لا يكون هذا الخطاب ديمقراطيا إن لم يكن ملتزما بالدعوة إلى التعددية السياسية وحرية الرأي وحرية الصحافة وكل الحريات الديمقراطية الأخرى وحقوق الإنسان...الخ. كذلك لن يكون هذا الخطاب ديمقراطيا إن لم يلتزم بالدعوة إلى احترام التعددية القومية في البلاد؛ أي احترام خصوصية الشعب الكردي والأقليات القومية الأخرى التي تتعرض للتمييز القومي والاضطهاد.

   لذلك نعتقد أن مصداقية أي خطاب ديمقراطي عربي سيكون محكه القضية الكردية, وإلا فلن يكون هذا أكثر من أداة للاستمرار في السلطة وتلبية بعض المطامح الخاصة لهذه الفئة أو تلك.

    فإما أن يكون هذا الخطاب ديمقراطيا كما قلنا, ويتناول مجمل قضايا ومشكلات البلاد الأساسية, وإما أن لا يكون, وإلا لا يمكن أن نسلم بخطاب نصف ديمقراطي. ¤

 

رياض سيف

يعلن مشروع حزب سياسي علني في سوريا

«حركة السلم الاجتماعي»

أعلن السيد رياض سيف في دمشق عن مشروع حزب سياسي يحمل أسم «حركة السلم الاجتماعي». جاء هذا الإعلان من خلال منتدى الحوار الوطني الذي أقيم في منزله         بتاريخ 31/1/2001. وننشر فيما يلي النص الكامل الحرفي لهذا المشروع,              ومقتطفات من مداخلات الحضور:

 

"حركة السلم الاجتماعي"

مبادئ أولية للحوار

 

    تتوقف قدرة الإنسان على التفكير السليم والإنتاج والإبداع على مدى توفير الشروط النفسية والصحية المناسبة, بعيدا عن الخوف من الحاضر والقلق على المستقبل, بعيدا عن الفقر والجوع, بعيدا عن الكره والضغينة, بعيدا عن الإحباط والشعور بالظلم, ليتمتع بالرضا والقناعة, وتغمر السعادة جو الأسرة, والألفة جو العمل, في مجتمع يكفل له حقوقه ويبادله الاحترام, ودولة تحميه من تعديات الآخرين وتخفف عنه نازلات القدر. هذا هو الإنسان المواطن الذي يشكل خلية سليمة في جسم المجتمع.. المجتمع القادر على بناء الدولة العصرية القوية والمزدهرة. أي أن كل شيء في الوطن يجب أن يكون مسخرا لهذا الإنسان-المواطن كي ينمو نموا حرا, تتفتح فيه ملكاته وتتفجر إبداعاته. فحق الإنسان على وطنه أن يوفر له كل ما يحقق إنسانيته ويعبر عن خصوصيته من خلال منافسة حرة ونزيهة مبنية على تكافؤ الفرص بين جميع المواطنين.

 

    فعلى مدى أكثر من أربعين عاما شهدت بلادنا الكثير من التطورات التي أفضت بصورة متدرجة إلى غياب أشكال التعبير الحر الديمقراطي لأغلبية المواطنين، وإلى انفراد مجموعة محدودة جدا بالقرار السياسي ما لبثت أن احتكرت كل النشاطات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية، فاختل التوازن في المجتمع الذي أصابه العقم، وأصبح عاجزا عن تجديد نفسه، وتوقف عن النمو الطبيعي وباتت الأكثرية المهمشة تعيش حالة من الإحباط والفقر، وانتشر الفساد والبيروقراطية، وضاعت الحقوق، وغابت عن الحياة بهجتها. وإن تفاقم هذه المشاكل بات يهدد بنية المجتمع السوري مما يستدعي إيجاد حلول سياسية واجتماعية واقتصادية حتى نتفادى تفجر المتناقضات التي باتت تضغط على كل مفاصل المجتمع.

   وفي هذا الإطار تأتي حركة السلم الاجتماعي مستهدفة طرح جملة من المبادئ والأفكار إسهاما منها في التصدي للمشكلات السياسية والاجتماعية وما يرتبط بها وما يتفرع عنها بقصد استعادة السلم الاجتماعي المبني على إعادة التوازن بين كل فئات المجتمع وتوفير المناخ الذي يحرضها على تحسين أدائها في كل مجالات الحياة.

إن مهمة بناء السلم الاجتماعي تتطلب العمل في المجالات التالية:

    السلم الاجتماعي بين الفئات العرقية والدينية:

   يمتاز الشعب السوري بتعددية عرقية و دينية لكون سورية مهدا للأديان السماوية والحضارات القديمة. كما أنها كانت على مدى التاريخ حضنا وملاذا لمهاجرين لجئوا إليها من ظلم لحق بهم في بلدانهم أو طلبا للعيش الهانئ والرزق الوفير لكثرة خيراتها ورحابة صدر أهلها. فنتج عن ذلك لوحة فسيفسائية جميلة تنوعت ثقافاتها وأنتجت أجيالا متآلفة تمتعت بالإبداع والحيوية والتنوع الحضاري. وكي يبقى هذا التنوع ميزة إيجابية ومصدر من مصادر قوة الشعب السوري يتوجب علينا العمل الدائم للحفاظ على جمالية تلك اللوحة من خلال الحفاظ على علاقات متوازنة توفر لكل فئة المناخ الضروري الذي تتألق فيه خصوصياتها وميزاتها التي هي مبعث افتخارها. فتساهم في إغناء وتطوير الوطن المشترك الذي يشكل الإطار المقدس الذي يحتضن كل الفئات، وأن نتوخى الحذر الشديد من أن يفسد علينا الجهل أو مكائد الأعداء ميزة هذه التعددية ويحولها من نعمة إلى نقمة تثير الفتن وتعكر صفو شعبنا وتضعفه.

   ومن أجل قطع الطريق على الجاهلين و الأعداء يتوجب علينا بناء سلم اجتماعي على درجة عالية من الوعي الجماعي بين كل فئات المجتمع، أي أن نشر السلم الاجتماعي واجب وطني مقدس.

    السلم الاجتماعي بين المواطنين و مؤسسات الدولة:

    لقد تعرضت العلاقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة السلطوية إلى تشوهات خطيرة نتجت عن استئثار فئات ضيقة بالسلطة احتكرت لنفسها المكاسب والمغانم على حساب الأكثرية، مستخدمة كل أنواع القمع والتخويف لكبت نقمة الفئات المهمشة والمتضررة وضمان استمرار احتكارها ومغانمها. فسنت الكثير من القوانين المفصلة على قياس مصالحها لتخدم أهدافها من جهة وتجعلها سيفا مسلطا على رقاب كل من يتعرض على سياساتها الاحتكارية وممارساتها المشينة من جهة أخرى. وأصبح كل مواطن مدانا بجرم أو أكثر كلما حلا للسلطة ذلك, فتنازل المواطن عن حقوقه المشروعة برضا ظاهر يكمن خلفه نقمة واستياء شديدين. وإن هذا الجو من انعدام الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة يجعل الأكثرية تعيش حالة من الإحباط فتتلاشى قواها ويتدهور أداؤها, فيختال توازن المجتمع وتنكفئ قيمه النبيلة وتنتشر الأنانية وتختل كل الموازين. لأن شعبا خائفا يعيش فوضى اجتماعية واقتصادية لا يمكن أن يعمل أو يبدع بشكل طبيعي لينتج حضارة ودولة عصرية, والتي لا يمكن تحقيقها إلا بإقامة السلم الاجتماعي بين مؤسسات الدولة وأجهزتها من ناحية وبين مواطنيها من ناحية أخرى, وذلك من خلال علاقة شفافة عادلة تحترم فيها وتصان كل حقوق المواطنة, وتبنى على قاعدة من تكافؤ الفرص والمنافسة النزيهة التي يضبطها القانون.

   السلم الاجتماعي في علاقات الحياة اليومية:

   يتشكل المجتمع من مجموعة فئات يمكن تصنيفها حسب المهنة التي تمارسها أو الفئة العمرية أو غيرها من العوامل المشتركة. وكل هذه الفئات أطراف أساسية في المجتمع تشكل بمجموعها شركاء في تبادل المصالح الاقتصادية والاجتماعية. ويهدف السلم الاجتماعي إلى تحويل مفهوم هذه العلاقات من علاقات صراع متشنجة بين المصالح إلى علاقات متوازنة يسودها الاحترام المتبادل انطلاقا من أن كرامة كل فرد مقدسة لا انتقاص منها.

    ولابد من التأكيد هنا على ضرورة التخلص من الهيمنة الأبوية في العمل السياسي وفسح المجال للأجيال الشابة لتأخذ دورها كاملا في صنع حاضرها ومستقبلها وتوظيف إمكاناتها العلمية والعملية للمساهمة في إدارة الدولة وتحديثها والاشتراك الفاعل في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للتخلص مما تراكم من سلبيات خلال العقود الماضية والذي كان من أهم أسبابه تهميش دور الشباب في عملية البناء.

    أما الحقوق المتبادلة فتنظمها بكل وضوح وشفافية قوانين تحدد الحقوق والواجبات فلا تدع منة لطرف على آخر ولا مجال لانتقاص طرف من حقوق الآخر وتعمل على خلق جو محبب من التسامح والكرم المتبادل بدلا من التناحر والكراهية وتراكم الأحقاد. كما تخلق مجتمعا يشعر كل مواطن بالمسؤولية تجاه أطفاله, ومسنيه, ومرضاه, وأصحاب الحاجات الخاصة من أبنائه, كما يشعر بالفخر والاعتزاز بالمتفوقين من أبنائه ومؤسساته الاقتصادية والاجتماعية ويساهم بدعمهم المادي والمعنوي لتطوير مواهبهم وتوظيفهم بالشكل الأمثل كما يفخر بكل سبق يحققوه على الصعيد الدولي. ويبني جسور المحبة والتواصل مع أبنائه المهاجرين في الخارج لتشجيعهم على المساهمة في عملية بناء وتحديث الدولة.

    تطور الحياة السياسية السورية:

   ارتباط نشوء الأحزاب السياسية في تاريخ سورية المعاصر بهيمنة فئات اجتماعية محددة اعتبرت الحزب السياسي وسيلة لتحقيق مصالحها على حساب الفئات الأخرى. وقد تبنت بعض هذه الأحزاب خطابا عقائديا جامدا لم تمتلك المرونة لتجديده, مما جعل نشاطها يقتصر على فئة اجتماعية محددة ويبقى عاجزا عن استقطاب الفئات الأخرى ولا يعبر عن مصالح المجتمع ككل, الأمر الذي أدى إلى تهميش وإقصاء أغلب فئات المجتمع السوري عن النشاط السياسي. فمنذ أن أقرت الكتلة الوطنية, التي كانت تمثل أعيان دمشق, ماسمته "المبادئ الأساسية" في تشرين الثاني عام 1932, اعتبرت نفسها التيار السياسي الوحيد القادر على التعبير عن تطلعات المجتمع ككل وقيادته. أي أنها بدأت تنطلق من احتكارها للسلطة, الأمر الذي حرض أعيان حلب على تأسيس حزب الشعب مما رسخ تقليد تمثيل الحزب السياسي لفئة أو فئات تنتمي إلى بنية اجتماعية محددة. وأدى إلى بروز الصراع الاجتماعي في الحياة السياسية, حيث نشأت الأحزاب القومية واليسارية والدينية التي اعتبر كل منها نفسه صاحب الحق الأوحد في قيادة الدولة والمجتمع وعمل على تهميش أو استئصال التيارات السياسية الأخرى.

   هذا الصراع أخذ أشكالا عقائدية أو فئوية جعل النشاط السياسي عاجزا عن إقامة السلم الاجتماعي المبني على التوافق بين غالبية الفئات والشرائح الاجتماعية, وحرم البلاد من تحقيق تنمية مستدامة, مما أدى إلى هشاشة في مؤسسات الدولة وسهل نجاح الانقلابات العسكرية بعد أن جعل الجيش جزءا من الحياة السياسية مما قاده إلى الانحراف عن مهماته الأساسية.

   وقد ينطبق ذلك بدرجة أقل على فترة الصعود القومي والتي تميزت بظهور الكاريزما الشخصية للزعيم على حساب المشاركة الشعبية في الحياة السياسية والاجتماعية. وأدى إلى استنثار حزب الزعيم بالسلطة كقائد للدولة والمجتمع. الأمر الذي انتهى إلى انفراد حزب البعث العربي الاشتراكي بالسلطة معطيا نفسه حق قيادة الدولة والمجتمع من خلال خطاب قومي يحمل في طياته نزعات يسارية ليقصي عن ساحة العمل السياسي كل التيارات الأخرى مما حجب عامل المنافسة الضروري لتحريض المجتمع على إعادة بناء نفسه بما ينسجم مع المتغيرات وضرورات المرحلة الجديدة.

   من كل ما سبق يتولد لدينا الإيمان بضرورة انبثاق خطاب جديد يحول الصراع الاجتماعي بين الفئات المتنافسة والمتناحرة إلى سلم اجتماعي يتيح لجميع هذه الفئات والأحزاب أن تتنافس في إطار الوفاق الوطني بما يخدم تحقيق نموذج التنمية المستدامة ويساعد على بناء مؤسسات الدولة الراسخة القادرة على الاستمرار بمهامها الأساسية رغم تبدل السلطة التي تحكم البلاد والتي يجب أن تأتي من خلال النظام الديمقراطي والتداول السلمي للسلطة.

    يعتمد خطاب حركة السلم الاجتماعي على مفاهيم ثلاثة تشكل مرتكزاته الرئيسية وهي:

1-                   مفهوم المواطنة والانتماء الوطني

2-                   مفهوم حقوق الإنسان

3-                   مفهوم المجتمع المدني

 

المواطنة والانتماء الوطني

     إن الإنسان المواطن الذي يشكل خلية سليمة في جسم المجتمع لابد أن تسخر له كل المعطيات الضرورية لينمو نموا حرا تنفتح فيه ملكاته وتنفجر إبداعاته ويعبر عن خصوصيته في إطار من المساواة بينه وبين بقية المواطنين للانطلاق إلى حياة مشتركة يبني فيها الجميع مجتمعا يوفر الخير لجميع أفراده.

    إن المواطنة تمثل العنصر الجوهري المشترك بين كل الأفراد المنتمين إلى وطن واحد حيث تعبر عن القدر المشترك الذي ينبغي أن يتحكم بسلوك الجميع من حيث هم كائنات سياسية. فهي تعبر عن وعي راق يتجاوز كل أشكال الوعي الطائفي والعشائري والجهوي والقبلي والعائلي والمناطقي. أي أنها الترجمة السياسية والاجتماعية لتمتع الفرد بحقوق مع غيره من المواطنين وتأديته لواجبات متساوية معهم. فتكون المواطنة بذلك هي المفهوم الذي لا نهوض للدولة والمجتمع بدونه.

    حقوق المواطن:  

  تنضوي تحت مفهوم حقوق الإنسان علاقة المواطن الفرد بالدولة ويتأسس وفقه خطاب المساواة للجميع أمام القانون ويفسح المجال لجميع المواطنين كي يضمن تحقيق حرياتهم وممارسة حقوقهم بما يقتضيه مفهوم حقوق الإنسان بمعناه العام والأشمل. وبذلك يكون مفهوم حقوق الإنسان اللبنة الأساسية في عملية التنمية الشاملة, طالما أن التنمية هي عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان والتوزيع العادل للفوائد الناجمة عن التنمية. وبالتالي تصبح حقوق الإنسان هي الحقوق والمطالب التي لا يمكن تحقيقها إلا في مجتمع مدني يعيش مخاض عملية تنموية شاملة.

  

   المجتمع المدني:

    تشكل مؤسسات المجتمع المدني غير الحكومية بمختلف نشاطاتها عامل التوازن مع مؤسسات الدولة, حيث تكملها وتحرضها على تحسين أدائها وتشكل الآلية الضرورية لمراقبتها. كما تعتبر مؤسسات المجتمع المدني الأهلي بكل نشاطاتها الخيرية والثقافية جزءا هاما من مؤسسات المجتمع المدني مؤهلة لتوسيع مجال خدماتها من فئة معينة لتشمل باقي فئات المجتمع.

   وعلى ضوء هذه المفاهيم الأساسية يمكن قراءة البرنامج التفصيلي لحركة السلم الاجتماعي الذي يشكل برنامج عمل متكامل يتحقق بكوادر بناءة طموحها تسعى لخدمة هذا الوطن وتحقيق رفعته ومناعته, لذلك يمكن تقسيم البرنامج المذكور وفق المجالات العامة التي نسعى لبلورة الجهود وفقها. 

 

    البرنامج السياسي:

  ويشكل القضاء السياسي الأهم الذي نرغب بتحقيقه من خلال عدد من الضمانات أهمها:

1-                   انتخاب سلطة تشريعية تمثل كل فئات المجتمع من خلال انتخابات حرة وفرص متساوية لجميع الأحزاب والقوى السياسية, تجري تحت إشراف السلطة القضائية.

2-                   استقلال السلطة القضائية التي تكفل بنزاهتها واستقلالها الأمن والعدل لجميع المواطنين.

3-                   اعتبار حرية الرأي والتعبير والتظاهر والتنظيم والتجمع السلمي من المقدسات التي لا يجوز مسها أو انتقاصها.

4-                   الفصل بين السلطات الثلاث, التشريعية والتنفيذية والقضائية, بما يكفل لكل سلطة ممارسة دورها وفق الإطار المحدد لها مسبقا دون تجاوز أو خروقات تؤدي إلى تعطيل وظائفها وعرقلة نشاطات غيرها.

  ومن أجل تحقيق الضمانات الأربع المذكورة لابد من توفير المتطلبات المرحلية التالية:

-                     إلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية وجميع المحاكم الاستثنائية.

-تشكيل جمعية تأسيسية تعمل على صياغة دستور جديد للبلاد ينسجم مع الاحتياجات اللازمة والمستقبل المنظور, يطرح على استفتاء شعبي.

-                     يشكل الحكومة الطرف السياسي الذي يملك الأكثرية في مجلس الشعب.

-انتخاب المجالس المحلية بالاقتراع الحر وانتخاب المحافظين بالاقتراع الحر والمباشر, واعتماد مبدأ اللامركزية عبر توسيع صلاحيات مجالس المدن والبلدات.

    أما بالنسبة للسياسة الخارجية, فيجب الاستمرار في التأكيد على كون الصراع العربي الإسرائيلي هو قضية مصيرية لسورية يجب أن يسخر لها كل ما هو ضروري من وسائل حتى نصل إلى سلام عادل وشامل يضمن كافة الحقوق السورية والعربية التي أقرتها قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة مع الأخذ بعين الاعتبار أن بناء دولة سورية القوية بمشاركة كل أبنائها من خلال نظام ديمقراطي يشكل أحد أهم العوامل التي تساعدنا على استعادة أرضنا وحقوق شعبنا.

-الاستمرار في تطوير وتوثيق العلاقات مع الدول العربية الشقيقة باعتبارها المجال الحيوي الأهم لسورية والعمل على بناء علاقات ودية مع الدول المجاورة والصديقة مثل تركيا وإيران ودول الاتحاد الأوربي بما ينسجم مع تحقيق مصالحنا المشتركة مع تلك الدول متجاوزين تأثير السلبيات التي حصلت في الماضي عبر صفحة جديدة تعتمد على الاحترام المتبادل والمعاملة بالمثل. بالإضافة إلى إقامة علاقات ودية مع بقية دول العالم بما يخدم مصالحنا الاقتصادية والسياسية.

 

   البرنامج الاجتماعي:

   إن أي برنامج اجتماعي يجب أن يبدأ من إعادة الاعتبار والحقوق المدنية للسجناء السياسيين وتعويضهم بشكل عادل عما لحق بهم من أضرار مادية كخطوة ضرورية وهامة على طريق السلم الاجتماعي. وإعادة النظر في كل أنواع الغبن التي مارستها مؤسسات الدولة مع المواطنين من مصادرة للأراضي والعقارات وغيرها, والتعويض لمالكي الأسهم في الشركات التي تم تأميمها بما يعادل القيمة الحقيقية للسهم عند المصادرة, وذلك بغية طي صفحة الماضي والانطلاق نحو المستقبل على قاعدة متينة من السلم الاجتماعي.

   إن تحقيق برنامج متكامل للتنمية الاجتماعية يتطلب إعادة هيكلية موازنة الدولة كي تأخذ بعين الاعتبار رصد المبالغ اللازمة للنهوض بكل متطلبات التنمية البشرية في التعليم والتأهيل في كل مراحله وخدمات الرعاية الصحية والرعاية الاجتماعية وخاصة متطلبات رعاية المعاقين مع التركيز على الاهتمام بالأسرة والحفاظ على تماسكها وإعطاء المرأة ما يتناسب مع أهمية دورها في المجتمع سواء في بناء الأسرة أو في عملية التنمية.

 

   وفي الجانب الثقافي:    

  تمثل الثقافة العربية الإسلامية المعين الرئيسي الذي ينهل منه جميع مواطني الشعب السوري مما يجعل الحفاظ عليها يمثل جزءا من المحافظة على هوية المجتمع وأصالته. كما أن إتاحة المجال لازدهار ثقافات الأقليات القومية والدينية يرتدي أهمية كبيرة في إغناء الحياة الثقافية السورية وتلوينها باعتبار أن ذلك يمثل ميزة قلما تتوفر لدى الشعوب الأخرى. يضاف إلى ذلك ضرورة الانفتاح والتواصل مع ثقافات المجتمعات الأخرى حيث أن الثقافة ملك للبشرية جمعاء تغتني وتتطور بها. ولذلك نسعى إلى الحفاظ على القيم الروحية التي يجب أن تحظى بكل الاحترام والتقدير كونها تمثل جزءا رئيسيا من ثقافة الفرد والمجتمع, وتعزيز دور الفنون بكل أشكالها, والاهتمام بالآثار والأوابد التاريخية بما يتناسب مع قيمتها الحضارية والسياحية.

 

   البرنامج الاقتصادي:     

   تعرض الاقتصاد السوري منذ التأميم إلى تشوهات أصابت بنيته الأساسية وبتنا نواجه اليوم اقتصادا عاجزا تماما عن المنافسة يسير نحو كارثة اقتصادية إذا لم تتخذ الإجراءات السريعة لإعادة بناءه بالشكل الذي يتماشى وينسجم مع الاقتصاد العالمي, آخذين بعين الاعتبار كل التحديات القائمة التي تجبرنا على دخول المنافسة, ليس فقط في الأسواق العربية والأجنبية ولكن دفاعا عن أسواقنا المحلية أيضا.

  يرجع ضعف الاقتصاد السوري إلى العديد من الأسباب أهمها:

1-                   الانخفاض الشديد في إنتاجية الفرد العامل في كل القطاعات الاقتصادية والخدمية والإدارية.

2-                   عشوائية النشاطات الاقتصادية في القطاع الخاص نتيجة قصور الأنظمة والقوانين.

3-                   تحول القطاع العام الاقتصادي إلى عبئ على خزينة الدولة إذا استثنينا عائدات النفط.

4-                   تخلف الأساليب المتبعة في الزراعة والري مما يؤدي إلى هدر شديد في الموارد ويلحق أضرارا خطيرة في البيئة.

5-                   عدم استثمار الميزات السياحية التي تملكها سورية.

6-                   إهمال احتياجات التنمية البشرية في التعليم وتأهيل الكوادر والصحة والرعاية الاجتماعية.

7-                   غياب مناخ الاستثمار وبرامج تشجيع الادخار.

8-                   استفحال ظاهرة الفساد والبيروقراطية.

9-                   عشوائية التحصيل الضريبي والسياسة المالية للدولة.

10-                 التشوهات التي لحقت بالرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية والتي أدت إلى فقدان توازنها مع متطلبات المعيشة.

11-                 غياب النظام المالي والمصرفي القادر على احتضان وخدمة النشاط الاقتصادي.

12-                 وجود جملة من المشاكل التي تعيق المنتجات السورية عن المنافسة العالمية مما أدى إلى هزالة الصادرات السورية بل وتراجعها بشكل كبير في السنوات الأخيرة.

 

     ورغم كل النداءات بضرورة الإصلاح الاقتصادي السورية فإن ما يقدم من مقترحات يبقى متهيبا من مواجهة جذور مشاكلنا الاقتصادية وينطلق من مبدأ إصلاح ما هو قائم بينما تدعو الحاجة إلى بناء اقتصاد جديد يعتمد على مفاهيم علمية وموضوعية لابد منها لرفع كفاءة الاقتصاد السوري.

   إن بناء اقتصاد سوري جديد يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الطبائع البشرية ومكونات ثقافية المجتمع والحالة النفسية لكل القادرين على الإنتاج لنكوّن في سورية مناخا محببا للعمل ومريحا للإنتاج ومشجعا على الادخار والاستثمار من خلال علاقات عادلة ومتوازنة بين كل أطراف الإنتاج مبنية على تكافؤ الفرص ويحكمها مبدأ المنافسة النزيهة. أي أننا بحاجة إلى سلم اجتماعي بين كل الفئات التي تساهم في بناء الاقتصاد الوطني لنتمكن من تفجير الطاقات الكامنة عند كل مواطن وتوظيفها في خدمته وخدمة الدولة والمجتمع.

   وإن تحقيق هذا الهدف يتطلب برنامجا محددا تتوقف فيه الدولة عن لعب دور التاجر أو الصناعي في مؤسسات الدولة الاقتصادية وتعيد تأهيل العاملين في المجال الإداري والخدمي وتدخل الوسائل الحديثة والمعلوماتية في الإدارة والخدمات وتحول العمالة الزائدة بعد تأهيلها إلى القطاعات الإنتاجية في القطاع الخاص الذي يعاد تأهيله لاستيعابها على مراحل.

 

   إن الخطوات العملية الضرورية للوصول لذلك الهدف تتطلب تقديم إجابات وحلول حيادية للمشاكل المذكورة أعلاه.

 

   خاتمة:    

   على الرغم من أن ورقة المبادئ هي نتاج عملي الشخصي مع الاستعانة بآراء بعض الأصدقاء وانطلاقا من تجربتي الشخصية في المجالين الصناعي والسياسي, فإنني أعتبر هذه الورقة بمثابة حجر الأساس لبناء عمل جماعي بكل ما في الكلمة من معنى, انطلاقا من إيماني بأن أي عمل سياسي يقوم على احتكار فرد أو مجموعة محددة من الأفراد سيظل عاجزا عن تحقيق أهدافه ما لم يفسح المجال للمشاركة الحقيقية لكل الأطراف والفئات التي تلتقي حول أهدافه من خلال الحوار الديمقراطي المنظم والهادف.

   لذا أرجو من كل من يهمه الأمر من المواطنين السوريين إبداء رأيه بما ورد في هذه الورقة وتقديم اقتراحات مكتوبة تسهم في تصويب الأفكار وإغناءها لنصل في النهاية إلى الصيغة النهائية لبرنامج حزبي يقترب ما أمكن من الحقيقة والاحتياجات الأساسية للمواطنين انطلاقا من أنه لا أحد يملك الحقيقة وحده.

   كما أرجو المعذرة ممن تسببت لهم بالإساءة دون قصد فيما طرحت أيمانا مني بأن من يريد أن يعمل من أجل تحقيق المجتمع الديمقراطي يجب أن يكون ديمقراطيا طالما أن اللغة الوحيدة بيننا هي لغة الحوار السلمي والعلني المترافق مع حسن النوايا من أجل تحقيق هدف مشترك يتمثل ببناء دولة عصرية قوية وشعب ينعم بالرفاه.

رياض سيف

دمشق, في 31/1/2001

 

مقتطفات من مداخلات الحضور:

    بعد الانتهاء من قراءة "مبادئ أولية للحوار" فتح المجال أمام الحضور لمناقشة ما ورد في نص المشروع, والملفت أن ثلة من أساتذة الجامعات –من البعثيين- أصروا على البدء بالحوار أو المداخلة, دون التقيد بالزمن المحدد والذي كان ضمن خمس دقائق لكل مداخلة. والأهم من ذلك, أن هجومهم على المشروع كان عنيفا جدا؛ وصل إلى درجة وصف المشروع بأنه مستورد من الخارج, كما تم التشكيك بوطنية من يتبنى هذا المشروع السياسي.

   قال د. فيصل كلثوم –أستاذ القانون الدستوري والنظم السياسية في جامعة دمشق, كلية الحقوق-: «...لم يبق أحد في هذا البلد إلا ورأى كيف ذهبت كل الجماهير في سوريا... وعبرت عن مساندة هذا النظام وهذا الحزب,...وإنما أقول أن البرنامج الوطني لهذا النظام كان قويا.. أما أن ندعي أن حزب البعث أقلية فهذا مجازف للحقيقة وهذه الورقة لا تخدم مطلقا إلا من يتربص بهذا البلد..»

   «..أن نقول أن هناك أقلية تحكم في هذا البلد, هذا أمر مجازف للحقيقة, مجازف للتاريخ, ولا يجوز, ....ومن يأتي بهذه الدعوة, هذا فكر مصدّر من الأجنبي..»

   «..وأقولها بصراحة... هذا الديمقراطي (الكلام موجه للسيد رياض سيف) من الأفضل له أن يكون وكيلا لشركة أجنبية تسمى أديداس, من أن يؤلف حزبا ليبراليا يقود الحرية في سوريا... هذا الأمر خطير... خطير ومخيف..»

    وهكذا جاءت الآراء المعارضة متوالية في هذا المنتدى, لكن الرأي الآخر كان بدوره موجودا وبقوة. وتنوع الحوار وذهب باتجاهات عدة.

   قال الأستاذ فاتح جاموس بأن المشروع مليء بالإنشاء أكثر مما هو مليء ببرامج ملموسة. وأكد أن هناك خلطا شديدا أو التباسا بين النظام الديمقراطي والنظام الاجتماعي, وإذا كان هناك نظام ديمقراطي فهذا يعني أن هناك سلم اجتماعي, ومفهوم السلم الاجتماعي هو مفهوم مدني.. والذي يجب أن يحل محله بالضبط هو نظام سياسي ديمقراطي.

     وجاءت مداخلة أحد أساتذة جامعة دمشق (من حزب البعث) دعما واستكمالا لرأي الدكتور فيصل؛ إذ أكد أن هذه الورقة توصيفية؛ تصف حالات مع تجاهل حقائق تاريخية وحقائق علمية.. والوثيقة دليل علمي لبحث التاريخ وإذا لم يكن هناك وثيقة فهذا يعني أن هناك نسيجا من خيال الإنسان.. أسطورة.. تزييفا.. تزويرا لحالة غير موجودة إلا في مخيلة الذين يريدون أن يبتكروا لنا قضايا.

   «..لأن سوريا بلد وطني ونحن لسنا بحاجة لأن نتصالح مع بعضنا لأننا متصالحون في معركة الوطن وكرامة الوطن..»

  «....لم يكن لدينا مشكلة في العشرينات فهل يعقل أن ندخل الألفية الثالثة ويكون لدينا مشكلة وطنية, مشكلة سلم اجتماعي أو سلم أهلي..»

   ولم تتأخر الردود الوطنية الديمقراطية حيث جاء في إحدى المداخلات أن احتكار حزب واحد وأحزاب أخرى مشلولة تحت مظلة الجبهة الوطنية جعلت السلم الاجتماعي الذي كان حقيقة واقعة, (وقد استشهد البعض بأن التحرير من الاستعمار كان بقيادة سلطان الأطرش) ولكن عندما تكونت شريحت اجتماعية سياسية جعلت بيدها مقاليد الأمور, هذه الشريحة الاجتماعية, وهذا الاحتكار للسلطة جعل ما نسميه نحن بالوحدة الوطنية –ولا أقول أنه منته- لكنه معرض لهزات عنيفة ويحتاج مرة أخرى إلى إعادة الوضع للحالة الطبيعية..

    مداخلة أخرى أكدت: «..إن هناك نقطة جريئة.ز مسألة الاعتراف بالأقليات الموجودة في سوريا, الوطن عمره أكثر من أربعة آلاف سنة وفيه قوميات عديدة.. هذه ليست مذاهب وإنما أقليات قومية, صحيح أن القومية العربية هي الوعاء الأكبر لكن لابد من الاعتراف بهذه القوميات ليكون وعاءنا الديمقراطية والانتماء مواطنة صحيحة وليس قسريا, وأنا لا أدعو بالتفكك وإنما أدعو ببناء متين مبني على الاعتراف بالأقليات, وهذه نقطة أنا أشهد لها في هذه الورقة..»

   «...المحاضر عرج على الثقافة العربية الإسلامية كوعاء أساسي, لماذا يكون أساسيا؟ وهذا ينافي أساسا الدعوة لمجتمع مدني لأن المجتمع المدني يكفل حرية الاعتقاد..»

   كما جاء في إحدى المداخلات: «...من خلال القراءة الأولية للبيان نلاحظ وبوضوح بأن المسائل الوطنية تختزل في مساحات ضيقة, وكأننا نحضّر لمرحلة جديدة لحزب واحد آخر, ولكن قد يكون بتسمية جديدة, أو كأن المسألة الوطنية خاصة بفئة معينة أو محددة دون الأخرى, أو منطقة بحد ذاتها دون باقي مناطق سوريا. فإذا كان التوجه يسير فعلا بهذا الاتجاه فسنبقى نحترم الرأي الآخر, لكن سنبقى أيضا دعاة لحوار وطني شامل غير منقوص أو مبتور. هكذا يتراءى لنا, علما أننا جميعا في هذا الوطن معنيون بهمومه ومشاكله, وعملية البحث عن الحلول ينبغي أن تكون وطنية شاملة, وبالحوار الديمقراطي المتعدد المناهج والانتماءات.

    وإذا كنا نصر على الانطلاقة من المقدمات الخاطئة فبالتأكيد لن نحصل سوى على نتائج خاطئة.

   وأظن أن الزمن أدركنا ولم نعد نحتمل المزيد من الأخطاء, فالمتغيرات المتسارعة على كافة الصعد وفي مختلف الاتجاهات تفرض علينا تسريع الخطى باتجاه وضع الأسس الوطنية الديمقراطية في إطار الحوار الشامل دون استلاب الرأي الآخر, وإلا سنكرر أنفسنا في دوامة الأخطاء والخنادق الحزبية الضيقة.

   وهنا أود التذكير بأهمية مناقشة وضع الشعب الكردي في سوريا وضرورة الاطلاع على معاناته, وإن أي تغييب أو تهميش لخصوصية هذا الجزء الحيوي من الكيان الوطني –عن قصد أو عن غير قصد- يبعدنا أو سنكون قد ابتعدنا عن أسس بناء الدولة الوطنية الحديثة ومستلزمات إحياء المجتمع المدني الذي ننشده..»

   وبقي الحوار قائما على مبادئ مشروع هذه الحركة, كما طلب السيد رياض سيف من الحضور إبداء ملاحظات خطية حول المشروع ليصار إلى الصيغة النهائية مستقبلا.¤

 

أحد أعضاء اللجنة السياسية لحزبنا

يشارك في مداخلات

منتدى الحوار الوطني بدمشق

   بتاريخ 7 شباط 2001 ألقى الدكتور رضوان زياد محاضرة في منتدى الحوار الوطني العائد لعضو مجلس الشعب السيد رياض سيف, وكانت بعنوان: المأزق السياسي وإشكالية التعثر الديمقراطي في سوريا. وقد حاول المحاضر إلقاء الضوء على التاريخ السياسي السوري وتصور مآلات المستقبل المنظور. فبدأ بسرد مرحلة استقلال سوريا, وعرج على مرحلة الاستعمار الفرنسي وظهور الكتلة الوطنية التي طالبت بتحرير الأراضي وجمعها في دولة ذات حكومة واحدة مستقلة, والنضال من أجل الوحدة العربية, لكن التعثر ظهر عندما اعتبرت الكتلة الوطنية إن تأليف الأحزاب السياسية مخالف لوحدة الجهود؛ وبذلك ظهرت صورة الاحتكار السياسي ومنع التعددية وسيولد بعد نصف قرن حزب يعتبر نفسه الحزب القائد للدولة والمجتمع. وهكذا غيبت الديمقراطية آنذاك, ثم ظهرت أحزاب مثل: الإصلاح –الاتحاد الوطني- الأمة الملكي –الحر الدستوري- وحزب الشعب الذي قاده أعيان حلب ونافس الكتلة الوطنية التي تزعمها أعيان دمشق. بعد ذلك برزت أحزاب أخرى تبنت الخط العقائدي والإيديولوجي؛ كالحزب السوري القومي الاجتماعي الذي تبنى الكفاح المسلح وابتعد عن الديمقراطية, والحزب الشيوعي السوري الذي سعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية واعتبر الديمقراطية السياسية هي الوسيلة التي تستعملها الطبقة البرجوازية, وقال خالد بكداش عام 1965: «إن هؤلاء الضباط لا يريدون جزاء ولا شكورا ولا يطمحون إلى امتيازات خاصة لقاء دفاعهم عن مصالح الوطن ومصالح جماهير الشعب» ويقصد سيطرة حزب البعث على السلطة, أما حزب الأخوان المسلمين فطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق الدولة الإسلامية ولم يكترث بالديمقراطية, بينما رفع حزب البعث ثالوثا إيديولوجيا وهو الوحدة والحرية والاشتراكية وعمل على تغليب الديمقراطية الاجتماعية وتغييب الديمقراطية السياسية.

     وتطرق المحاضر بعد ذلك إلى حصول الاستقلال عام 1946 ثم بدء مرحلة الانقلابات العسكرية؛ حيث أصدر حسني الزعيم مرسوما بحل الأحزاب السياسية, ولقب بالمارشال. وحول الشيشكلي البلاد إلى دكتاتورية عسكرية, وبذلك حال الجيش دون تطور السياسة المدنية, ونشأ مجتمع مسكون بالخوف والقلق لاسيما وأن الثقافة العسكرية تقوم على الطاعة والتبعية, ثم مرت سوريا عام 1954 بتجربة برلمانية حرة ثم عصفت الوحدة مع مصر بما بقي من إرث ديمقراطي عام 1958, لكن الوحدة فشلت وجاء الانفصال عام 1961, ثم دولة الثورة التي جعلت السلطات الثلاث في قبضة الدولة وفي قمة الهرم قائد الثورة الذي يتحكم باللجنة المركزية للحزب, وهذه الدولة ظهرت بعد حصول ما يطلق عليه اسم ثورة الثامن من آذار 1963 التي سرعان ما تصارع زعماؤها ثم جاءت الحركة التصحيحية عام 1970 وتعمقت الأزمة الداخلية لحزب البعث وتشكلت حكومة ائتلافية تحت مظلة الجبهة الوطنية التقدمية, وضمن حزب البعث لنفسه الأكثرية واحتكر العمل السياسي في قطاعي الطلبة والجيش, واعتبر منهاجه موجها أساسيا للجبهة في رسم سياساتها العامة وتنفيذ خططها, وقد عارضت أحزاب يسارية ميثاق الجبهة من مواقع إيديولوجية أو متحفظة على مزايا البعث القيادية. وفي الحقيقة فإن الأحزاب اليسارية والقومية التي هي أحزاب النخب تؤمن بديمقراطية خالية من المتاعب بحيث تبقيها في السلطة, ومن الطبيعي أن تتحول الجبهة إلى شبه شاهد الزور على التعددية واكتساب المغانم والمناصب, وبذلك تحولت أحزابها إلى أحزاب عائلية وراثية تتعيش من السياسة وصارت ترمز إلى متقاعدي السياسة. وقد عكس دستور البلاد رغبة البعث –والذي خول نفسه- بالسلطات المطلقة مما أدى إلى تضييق هامش الحريات والحقوق الفردية والعامة وانعدامها أحيانا. فما يمنحه الدستور باليد اليمنى تعود اليد اليسرى لتصادره عن طريق ربطه بأهداف البعث وغاياته, لكن الدستور مع هذا يظل معلقا مع وجود قانون الطوارئ والأحكام العرفية, ولقد أصبحت النقابات والمنظمات الأهلية غير الحكومية تحت هيمنة الحزب الحاكم. أما النشاط المدني خارج هذه الأطر فقد صار في خانة المستحيل خوف أن يتعرض المواطن للمساءلة الأمنية المستمرة, لذلك فعملية الإصلاح عليها أن ترد للمواطن ثقته بنفسه وشعور بضرورة الانخراط في عمل جمعياتي بدل الانطواء والعزلة والعبث من جدوى الحياة, من جراء عدم اكتراثه بدور الصحافة التي تحولت إلى منابر لأصحابها وإلى أبواق لمرؤوسيها.

   لقد تحولت بذلك جميع مجالات الحياة ومرافقها إلى مؤسسات رسمية تشكو من الترهل والتضخم وتقوم على سياسة الولاء, والولاء لا ينقضي في أجل معلوم, إذ مادام مستمرا يبقى المنصب قائما, لينتج عن ذلك طبقة من الموظفين الكبار طويلي الأمد والولاء ينسجون حولهم شبكة من البيروقراطية, وهنا يكمن بالضبط مبدأ الفساد. أما الاقتصاد فمختلف عن الأشكال المعروفة كليا؛ إنه نموذج اقتصاد الفساد ويرافقه فساد اجتماعي يتمثل في خلخلة العلاقات الاجتماعية وتفككها.

   كل ذلك يفرض علينا التفكير بنموذج جديد للسياسات العامة للنظام والاقتصاد, فنظرية التفعيل لا تبدو قادرة على تفعيل ما بدأ وانتهى, وإنما نحن بحاجة إلى إعادة بناء السياسات العامة وفق أسس جديدة مختلفة كليا.

     وحول التحول الديمقراطي قال المحاضر إن الخطوة الأولى من الديمقراطية قد تحققت بفسح المجال لحرية الرأي والتعبير وأن الرئيس بشار الأسد راغب في تدشين زمن جديد تدخله سوريا, وشهدت فترته بداية إطلاق عملية الإصلاح الاقتصادي. وينبغي النظر إلى المكتسبات التاريخية الماضية, والحفاظ على الإرث القومي لسوريا, لكن شرط القيام بعملية تجديد الخطاب القومي, وذلك بتجاوز الخطاب القومي الانصهاري والاندماجي الذي لا يعترف بوجود الأقليات القومية والأثنية والعرفية المتعايشة في حدود العالم العربي إلى خطاب يؤكد شرعيتها ودورها في حفظ تراثها وثقافتها كونها تكونت في إطار قومي, وبذلك يصبح الخطاب القومي العربي يعترف بالآخر كجزء رئيسي من وجود الذات. كما ينبغي الحفاظ على الدولة القوية والمستقرة التي سادت في عهد الرئيس حافظ الأسد.

    وفي تقرير التوجه المستقبلي قال المحاضر: أنحاز إلى مفهوم التحول نحو الديمقراطية كمرحلة انتقالية لصبغ المجتمع بالصبغة الديمقراطية, ويبدو أن هذا هو الخط الذي يتبعه النظام القائم في سوريا.

   ولدى قراءة وجهات التحول نحو الديمقراطية يمكن افتراض ثلاث سيناريوهات محتملة:

  الأول: الانكفاء عن الخطوات التي تمت بحيث يتم حجز ومنع نوافذ حريات الرأي والتعبير التي تجلت حاليا في المنتديات الثقافية وهي بدورها لم تنتقل من سياسة غض النظر الحالية إلى سياسة القوننة الشرعية, وإن الملاحقة الأمنية للمخالفين في الرأي وقمع الحراك الجنيني لمطالبي المجتمع المدني وحقوق الإنسان, /وهذا السيناريو/ يبدو مستبعدا رغم أنه يبقى محتملا طالما أن القوى المفصلية في النظام مازالت لم تحسم خيارها بعد باتجاه الإصلاح وتشعر بالخوف إزاء مكتسباتها وتجاوزاتها.

   الثاني: الانتقال نحو نموذج الانفتاح بدون الدمقرطة والقيام بإصلاحات سياسية من أعلى محكومة بدرجة عالية للغاية من السيطرة والإجراءات المتوقعة كقانون الأحزاب والمطبوعات تهدف إلى استيعاب الجهود الشعبية واحتوائها وهي أكثر قبولا للنظام بسبب سلبيات الانتقال الفجائي.

   الثالث: التحول نحو نموذج تجربة ديمقراطية تعددية حقيقية تسمح بالتداول السلمي للسلطة.

   ويبدو أن السيناريو الثاني وهو الانفتاح بدون الدمقرطة هو الأكثر احتمالا, وأن صيرورة وآلية النظام السياسي سائرة فيه وأن مألات هذا السيناريو لن تقضي في النهاية إلا إلى نموذج الديمقراطية الحقيقية.

  وهذا يستلزم تعاضد الجهود والقوى حتى لا تسقط في التشرذم أو التفتت وتنتهي في النهاية إلى المحصلة الصفرية, فتعاضدها يكون باتفاقها على مجموعة من الضوابط الضرورية, كضمان لسير الآلية, وأولى هذه الضوابط يتعلق بعلنية العمل السياسي وعدم سريته, وضبطه وعدم فوضويته, والتأكيد على النشاط السلمي خوف الدخول في متاهات العنف التي لا نهاية لها.

   وبعد الانتهاء من إلقاء المحاضرة القيّمة أفسح المجال لإبداء الرأي والملاحظات فسجل 26 شخصا أسماءهم ليدلوا بآرائهم المختلفة.

   في البداية تحدث عدد من الأشخاص دافعوا بصراحة عن الحزب السوري القومي الاجتماعي ورفضوا اتهامه بالعنف وانتقدوا القطرية لدى المحاضر وأنكروا اتهامهم باغتيال عدنان المالكي, وذكروا أن حسني الزعيم تسبب في إعدام أنطون سعادة زعيم حزبهم, والتزموا بسعيهم من أجل مصلحة المجتمع في سوريا الطبيعية, وبأنهم ليسوا ضد الوحدة العربية.

   وقال د. عارف دليلة بأنه لا مبرر للتخوف من التوجهات الجديدة, وإن التنوع ثروة وليس انتحار, والأغلبية في سوريا ذات مصلحة عميقة في التغيير, ونحن نكشف خروقات القانون والمصالح العامة, ومن يعادي هذا التوجه فهو يعادي الوطن والشعب.

   وذكر د. كمال رضوان أن مأزق الديمقراطية هو حكر البرجوازية للسياسة. وقال د. وليد البني: هل يسمح أصحاب الامتيازات بالتغيير؟ وإن النظام ليس كله يرفض الديمقراطية وإنما يرفضه أصحاب السرقات وهم أقلية. أما د. حسين الشرع فقال كل السوريين سياسيون, أن العمل في العلم والاختصاص, وإن حزب البعث دهس القوانين التي وضعها. والأستاذ شوقي بغدادي أشاد ومثل البعض بالمحاضرة, ولكنه ذكر إن الديمقراطية غائبة منذ عهد الأمويين وحتى الآن, ولو أن غير البعث استلم السلطة كالشيوعيين والقوميين السوريين والأخوان المسلمين, لتصرفوا مثله, ونتخوف من تدخل الجيش, ولتحقيق الديمقراطية يجب البدء بتوعية الأفراد, وذكر إن في سوريا ليس العرب فقط وإنما هناك الأرمن والشركس والأكراد, وإن حلم الديمقراطية بعيد المنال ما لم نتخلص من الدكتاتورية والفقر.

   وتحدث عدد من دكاترة الجامعات وكشفوا أنهم بعثيون حيث أبدوا امتعاضهم من مضمون المحاضرة ودافعوا عن حزب البعث, وهم: د. فيصل كلثوم, د. ناصر عبيد, د. محمود خضرة, د. أحمد كنعان, د. إبراهيم جمعة, ومحمد عبد الله, ومن أقوالهم: الحوار مجاز من قبلنا وهناك ضرورة للنقد والمراجعة. البعث أقر بوجود أحزاب الجبهة ولم يتفرد بالسلطة والرئيس بشار يقر بإعادة النظر في الجبهة, ولدينا دستور له ديمومة, والكمال لله وحده, ويمكن تعديل الدستور. أين التركيز على الصراع مع الصهيونية. لا يمكن لأحد إخفاء الحقيقة. حزب البعث حركة الأغلبية فليتم الحوار مع الأغلبية. إذا كان حزب البعث مثل غيره فلماذا بقي حتى الآن؟ بقي لأنه مشروع قومي, والإصلاح الحالي يريد وضع حدود بين السلطات الثلاث ودعم الصحافة. لماذا لم يمتعض الحضور من مداخلات الآخرين وامتعض من مداخلات الرفاق البعثيين. لماذا الإجحاف بمرحلة الرئيس الراحل الذي خلق طبقة كادحة. لا أدافع عن بعض المتسلطين وأنا متخوف مما يجري. ماذا حدث في الجزائر؟ ماذا تعنون بالفسيفساء العرقي والديني؟!

   وتحدث شخص آخر فتساءل عن سبب تغييب الأحزاب الدينية, في بلد أكثريته إسلامية طالما لدينا شريعة تقوم حياتنا, وأشاد بدور الأحزاب الدينية حاليا في الصراع مع إسرائيل.

   وكان من بين الحضور شخص أمريكي اسمه سكوت ديفيس من واشنطن, تحدث قائلا بأنه يزور سوريا, وقد زارها من دمشق حتى المالكية (ديريك) وقد سمع من الإذاعات الأمريكية عن التجمعات في سوريا. فكل مجتمع يجب أن يبحث عن طريقه نحو الأمان, ويمكن أخذ أشكال الديمقراطية, ووصف الحوار الجاري بأنه عمل إبداعي, وهو يريد الاستفادة منه (هنا احتج بعض البعثيين على دخوله قاعة المنتدى) ثم تابع قائلا: في أمريكا نعاني نفس المعركة لأن الشركات امتلكت حياتنا وأنا مع غيري نطالبها بالكف عنا, ونناضل من اجل تخفيف فسادها وسلبياتها.

    أخيرا تحدث شخص بجراءة واضحة حيث حمّل النظام القائم كل المآسي والسلبيات والفساد والفقر وأنه غير أهل للمسؤولية وينبغي عليه إفساح المجال لغيره (وقد احتج البعثيون مرة أخرى وتساءلوا عن كيفية حضور مثل هذا الشخص).

   وفي الختام قدم الرفيق حسن صالح عضو اللجنة السياسية لحزبنا المداخلة الآتية: «أريد التركيز على نقطة واحدة فقط من مضمون المحاضرة, وهي نقطة إيجابية, حيث رأى المحاضر ضرورة الحفاظ على الإرث القومي لسوريا, لكن شرط القيام بتجاوز الخطاب القومي الانصهاري والاندماجي الذي لا يعترف بوجود الأقليات القومية والأثنية والعرقية...الخ. ونحن مع هذا التوجه, لكوننا نعاني من التجاهل, فأنا مواطن كردي, وهناك في سوريا مليونا مواطن كردي, يجري تجاهلهم وتغيب دورهم رغم أن الكرد لعبوا دورا هاما في تاريخ سوريا السابق والحالي وناضلوا بشجاعة ضد الانتداب الفرنسي كما تجلى ذلك في معارك الجزيرة وثورة إبراهيم هنانو في منطقة حلب, وفي دمشق وغوطتها. (هنا ثارت ثائرة بعض البعثيين وغيرهم محاولين مقاطعة المتحدث, ومن بين كلماتهم سمعت كلمة البارزاني) إن هناك في البلاد من يحاول اعتبار الكرد شعبا طارئا وقادما من الخارج, ولكن الحقيقة التاريخية تقول بأن هذا الشعب موجود حاليا في شمال وشمال شرق سوريا ويعيش على أرضه التاريخية, وعند تطبيق اتفاقية سايكس بيكو وسيطرة الاستعمار الفرنسي على البلاد. ألحق جزء من الشعب الكردي مع أرضه بالدولة السورية الناشئة. (هنا أيضا ضج البعض بالأصوات) إننا لا نشكل خطرا على أحد وإنما نطالب بديمقراطية حقيقية في سوريا بحيث يتساوى جميع المواطنين –على اختلاف انتماءاتهم- في الحقوق والواجبات أمام القانون».

   لقد تكهرب الجو وأثير نقاش وجدل واستغراب من تحدث مواطن كردي بشكل غير مألوف وقد يكون البعض قد سمعه لأول مرة, أما الدكتور –عريف المنتدى- حث الحضور على ضرورة قبول واحترام الرأي الآخر, وضرورة الحوار الديمقراطي دون انفعال, وضرورة تكاتف الجميع من اجل مستقبل أفضل للبلاد.

 

ويحضر في منتدى الشام الحضاري

محاضرة قيمة للدكتور عارف دليلة

     احتضن منتدى الشام الحضاري بدمشق بضع عشرات من المهتمين بالحوار الوطني بتاريخ 11/2/2001 واستمعوا إلى محاضرة للدكتور عارف دليلة حول الاقتصاد السوري. في البداية قدم مدير المنتدى السيد دليلة وقال: أقيم منتدنا منذ ست سنوات, وفي كل أسبوع هناك محاضرة. وتلا آيات من القرآن وركز على آيات منه (ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد, لكم دينكم ولي ديني). فالمحاضرات التي ألقيت في هذا المنتدى متنوعة ومختلفة, ونحن نحترم تعدد الآراء ونقدر حرية الرأي والتعبير.

      ثم أشاد بمرحلة الرئيس بشار قائلا بأنه قدم أقصى ما يمكن خلال ستة أشهر, وعلينا أن نكون عونا له ضد أي خطر خارجي أو داخلي إن وجد, كما أشاد بالدكتور دليلة كعلامة في الأمور الاقتصادية.

   وخلال المحاضرة تطرق د. عارف إلى محاولة تشكيل حكومة موحدة في إسرائيل, وأن علينا التعرف على واقعنا الاقتصادي وبنائه والانطلاق لمواجهة الأخطار, فالاقتصاد سلاح في المعركة ومن يعبئه ينتصر, ومن هنا تتبع أهمية الإدارة السليمة وحسن توجيهها اقتصاديا واجتماعيا, وإن تعبئة إمكاناتنا ضرورة أخلاقية ووطنية. وقال بأن الخطب الوطنية غير مجدية ما لم تترجم سلوكا عمليا لخدمة الإنتاج وحسن إدارته, وقال بأن سكان سوريا حاليا حوالي 17,5 مليون نسمة ومعدل النمو مرتفع 2,7%ونمو الدخل الوطني حوالي 2,5% وهذا لا يحسن المعيشة, فالمطلوب هو معدل نمو بين 5و7% على الأقل, ومقدار الاستثمار السنوي من الناتج المحلي هو بنسبة 25% بينما هو في دول أخرى ومن بينها مصر والأردن ولبنان بمقدار الناتج المحلي وأضعاف الاستثمار السوري, والمصارف السورية تعيق الاستثمار. وفي عام 2000 صوّت مجلس الشعب على صرف 66مليار ل.س لتسوية ديون بعض شركات القطاع العام, فلماذا حدث العجز وتراكمت الديون, هناك أمور تثير الاستغراب فحتى مؤسسة محروقات التي تعتبر أرباحها حتمية صارت في وضع العجز المالي, وإن العجز في ميزانية الحكومة غير متوفرة, وحتى الديون الخارجية على سوريا غير معروفة, وهكذا حدثت الأزمة وتدنت المعيشة وتنقلت البطالة وصرب الكثير من الخبراء من قطاع الدولة, وتدنت قيمة الليرة السورية فبينما كانت 4 ليرات تعادل الدولار أصبحت حاليا 50 ليرة مقابل الدولار, وانخفض دخل الفئات المحدودة الدخل إلى ثلث نصيبها عما كان عليه في عام 1970. هناك طبقات تحصل على المال من اللاعمل. في التسعينات زاد الإنتاج ثم انخفض بسبب صعوبة التصريف وكون أسعاره مرتفعة لا تستطيع منافسة المواد المهربة من الخارج. الدستور يكفل حياة كريمة للمواطن فما معنى أن تحمل الدولة الأجور ضرائب, إن التعبئة الاقتصادية تنجح في مواجهة كل الأخطار إذا كان المواطن مكتفيا وسعيدا, والفجوات الاجتماعية لا مبرر لها.

   عندما نتحدث عن المشاكل يلومنا البعض, لكننا نتحدث للبحث عن العلاج, هناك توجه لإنشاء مصارف خاصة وجامعات خاصة, لماذا لا نطور مصارفنا الحالية وجامعاتنا, فأفضل أساتذتنا يهربون, لقد أوقفت زيادة رواتب دكاترة الجامعات, بينما تقرر فتح جامعات خاصة, نحن بحاجة إلى إصلاحات جذرية في القطاع العام المصرفي والتعليم والضرائب والدخل والتجارة الخارجية, لماذا هذه الثغرات؟! فيمكن مضاعفة الميزانية لحل المشاكل, لماذا لا يطبق القانون, أريد تفعيل ما بين أيدينا وأخشى أن يتم باسم الإصلاح هدم ما بين أيدينا, لماذا تصرف مليارات الليرات على أناس لا عمل لهم (تحريك أعداد هائلة من السيارات الحكومية) الدولة تخرق القانون ولا أحد يتكلم. نحن أمام سلوكيات شاذة منافية للدستور, ومصلحة الوطن والمجابهة مع إسرائيل تتطلب التعاون لوقف هذا التدهور العام.

   وبعد الانتهاء من إلقاء المحاضرة بدأت المداخلات فالدكتور حسين الشرع شكر د. دليلة على المحاضرة القيمة وقال: ينبغي الاستفادة من الطاقة البشرية وتطوير البرنامج التعليمية, والثروة النفطية "التي لم تدخل في الميزانيات تدخل الآن بنسبة 1,5 مليار دولار", كما زاد إنتاج الحبوب والقطن والفواكه. إننا نفتقر إلى إدارة جيدة والذين يستلمون الإدارة ليس لهم رأي صريح. وضعنا الاقتصادي متأزم. هناك تراكم في الاستثمار في مجال العقارات. البطالة حاليا تشكل 40% من المؤهلين للعمل. الفساد يهدد السلم الاجتماعي. خريجو الجامعات عاطلون. لا توجد دراسات محايدة, القيادة القطرية لا تستعين بخبرات محايدة وبذلك لا تستطيع تطور الاقتصاد الوطني.

   وقال د. سليم بركات: إن المنتدى فسحة لمناقشة أمور أساسية, هناك إشارات في خطاب القسم للرأي الآخر الذي نحن بحاجة إليه فكلنا وطنيون, لكن د. دليلة أوجدنا على أبواب الجحيم, لماذا هذه السوداوية, أنا أتفق معه بأن الاقتصاد جوهر المعركة وهو قضية أخلاقية, وهناك ثغرات كثيرة, ليس هناك مقدسات, إنه عصر التغيير والمعرفة, في العهد الجديد توجد اجتماعات متواصلة وهناك ثورة تشريعية, هناك شكاوى للمواطنين, وينبغي إلغاء ضريبة الدخل وهناك تجاوزات لا نقبل بها. إن إنتاج إسرائيل يعادل 6 أضعاف الإنتاج العربي العام, ومن هنا فالإصلاح هو الأمر الأساسي وهو الثورة.

    وركز د. عبد الوهاب المصري على مسألة القيم فقال: لدينا انحراف في القيم وأصبح المال وجمعه هدفا بكل الوسائل. مشاكلنا كارثية, يجب إصلاح القيم عبر وسائل الإعلام والأسرة. وينبغي محاربة التهريب وممارسة الصدق في العمل والإتقان.

    أما د. أيمن عبد النور فقال: لقد اهتم رئيس الجمهورية بالدكتور دليلة وقد أعددنا تقريرا بمشاركة د. دليلة من 171 صفحة سلم الرئيس بهدف الإصلاح العام, وقد بلغ عدد المشاركين في وضع أسس للإصلاح 35 شخصا. لا توجد عصا سحرية لتحقيق المطلوب, لقد تعرض د. دليلة للمضايقات وأنا كذلك, وحاليا أيادينا ممدودة له وأراؤه تنشر في الجرائد وغيرها وتحترم.

   أما د. علي فقد شكر المحاضر وقال بأن التباطؤ الحكومي في الإصلاح هو لأجل التنقل الناجح, والإصلاح أمر صعب, وهناك حاجة إلى التروي ودراسة مستفيضة لكي لا نقع في أزمة أثناء المرحلة الانتقالية. د. محمد جميل عمر قال: هناك سلبيات لكن توجد أيضا إيجابيات ومن لا يعمل لا يخطئ.

   وقال الأستاذ بهيج سلوم بأن دخل الفرد متدن. واقع مرير رغم الإمكانات الكبيرة. هناك غياب للتخطيط والقرار السياسي للتصحيح. هناك مستوى معيشة دون خط الفقر. ليس للمواطن كرامة ولن نصمد أمام أحد. الحل وضع الاقتصاديين الأكفاء والمناسبين في أماكنهم.

   وقال السيد أسامة: إن وضع التعليم متدهور والتجارب العملية شبه معدومة. أما عبد الله السالم فقال يجب التطلع بتفاؤل إلى المستقبل بدل التجريح في الماضي. إن غياب الرأي الآخر هو سبب 90% من سلبياتنا والرأي الفردي معرض للخطأ. والمحامي صباح فرادي انتقد د. دليلة وقال: أخشى عليك من أن تمارس الإساءة إلى الاقتصاد الوطني.

     وأخيرا مدح الشاعر المتدين أبو محمد الدكتور دليلة ووصف كلماته بالنار التي تقتل الجراثيم ولا تضر بالمريض

   بعدها رد د. دليلة على منتقديه قائلا: «ما الفائدة من ذكر المباني والمنشآت فلنذكر الأخطاء لكي نضع قدمنا على الطريق. في الاقتصاد يجب التركيز على التخطيط المبرمج زمنيا, ولنعلم أن الرأسمالية اليوم توفر ضمانات اجتماعية لتجنب الثورات الاجتماعية. في سوريا لا يوجد جرد للإمكانيات؛ عند البدء ببناء معمل الورق كان هناك أربع اختصاصيين ولم يسأل عنهم أحد, وأهملوا قصدا, وعندما عرضوا أنفسهم أهينوا, وفي النهاية كانت الكارثة في المعمل, ومع ذلك صعد هؤلاء الفاسدون (الذين أهملوا الاختصاصيين) سلم المناصب. إذا كانت هناك إرادة للإصلاح فإن الخطابات لا تكفي لتغيير الواقع, وينبغي أن يشترك عشرات الآلاف في النقد والضغط من أجل التغيير, رغم كشف الأخطاء فإنها تستمر. هل تريدون مني مدح الفاسدين؟! منذ 3 سنوات أبعدت عن الجامعة وأقوالي على كل شفة ولسان, وأعتقد أنها ساهمت في تغيير الوزارة. السياسات المصممة سلفا هي حقيقة وحتى الأطفال لن يوافقوا عليها. صحيح أنني وصلت للسيد الرئيس لكن صدور التوجيهات لا تكفي, ينبغي بذل جهود مضيئة لتتحول إلى واقع. لنقم بتوعية الشعب ولابد من النضال المستمر (في العديد من الدول العربية حرية التعبير متوفرة). الحكومات الأوربية تحاسب أثناء الاقتراع, وفي بلادنا هناك من يحمون الحرامية. ينبغي أن نتعود على الشفافية والعلنية, والحلول هي العمل على الأرض. لنهتم بنصف الكأس الفارغ وليس الملآن, ولنركز على ما لم نبنيه. القوانين الصحيحة لا تطبق وهناك تجريف للمال العام إلى جيوب خاصة...».

   لقد بدا لنا بأن المنتديات العديدة أصبحت نافذة للرأي والرأي الآخر بكل حرية, وأنها بداية مرحلية الدخول في إصلاح جاد عام في البلاد وفي كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, غير أن انتكاسة مؤلمة حدثت مؤخرا عندما منع نشاط هذه المنتديات, وأحيل السيد رياض سيف إلى المحاكمة. وتأكد مرة أخرى أن المستفيدين من استمرار الفساد يعرقلون التحول نحو الديمقراطية حيث أوعزوا إلى الأجهزة الأمنية بإغلاق المنتديات وكبت الحريات.¤

قرار

 

 

وقف نشاط المنتديات

لم يكن مفاجئا

   في خطوة متوقعة أقدمت السلطات الأمنية وبقرار من القيادة القطرية لحزب البعث على تبليغ الفعاليات السياسية والثقافية التي نشطت في الآونة الأخيرة من خلال منتديات ثقافية وسياسية أقيمت في البيوت, بوقف نشاطها وعدم التحرك في هذا المجال إلا بعد أخذ موافقة الأمن السياسي مسبقا.

   وعلى الرغم من أن هذا الإجراء سوف يحد نسبيا من نشاط هذه الفعاليات, إضافة إلى أنها تعتبر نكسة للآمال التي عقدت من قبل الشعب السوري بأن مرحلة جديدة وعهدا جديدا قد بدأ, ومن سماته الانفتاح على الرأي الآخر والتعامل معه وفق قوة المنطق بدلا من منطق القوة السائد منذ أكثر من أربعة عقود على الحياة السياسي في سوريا ودفّعت شعبنا السوري نتيجة ذلك الكثير الكثير سياسيا واقتصاديا وثقافيا, إذ سيطرت خلال تلك الفترة الطويلة ظاهرة الخوف من الآخر, وانتفعت لغة الحوار والتفاهم وحل محلها لغة العنف والعنف المضاد, وتضخمت آلة الأجهزة الأمنية عددا وعدة, وتعددت أسماؤها ومهامها, حتى سيطرت كليا على الحياة السياسية العامة بما فيه سيطرتها على صلاحيات الحزب الحاكم (حزب البعث) والأحزاب المنضوية تحت لوائها (أحزاب الجبهة) لدرجة أن تعيين معلم وكيل في قرية نائية أو حارس في مؤسسة متواضعة يحتاج إلى الموافقة الأمنية, ونتيجة لذلك أزداد عدد المعتقلين السياسيين سنة بعد أخرى, وهذا ما أدى إلى توسيع السجون على حساب المستشفيات والمؤسسات الخدمية للمواطنين, إضافة إلى هروب الكثير من الكفاءات العلمية والأدبية والفنية والفعاليات والاقتصادية إلى خارج الوطن بحثا عن مكان هادئ يمارسون فيه حياتهم وهذا ما انعكس سلبا على مختلف جوانب الحياة في المجتمع السوري ككل.

   وكما ذكرنا بأن آمالا قد انتعشت نتيجة جملة من الإجراءات الاقتصادية والتي بموجبها أفسح المجال لتنشيط الحياة الاقتصادية من خلال القطاع الخاص وكذلك الإفراج عن العديد من المعتقلين السياسيين وغض النظر عن بعض النشاطات الثقافية والسياسية, ومشاركة الإعلام الرسمي في النقاش الدائر حول التحديث والتطوير والرأي الآخر والديمقراطية والتعددية والسياسية والتي من المفترض بها أن يتم تطويرها وتوسيع هامش الحرية اكثر عبر إصدار قانون للأحزاب وآخر للمطبوعات بعيدا عن هيمنة فئة على أخرى, وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن بكل فئاته وشرائحه الاجتماعية والقومية. وخلق مناخ سياسي ديمقراطي جديد على قاعدة (الوطن للجميع ويتسع للجميع).

   نقول, بدلا من ذلك لجأت السلطة إلى الحد من هذا النشاط أو لجمه, لا بل ومحاولة إعادته إلى ما كان عليه في السابق. وهذا ما يتوافق مع تحليلاتنا السابقة بأن النظام لا يملك الجرأة الكافية للانفتاح كما يجب, بل يحاول الالتفاف ما أمكن على الصيغ المطروحة بحيث يبقى زمام المبادرة بيده نتيجة لاعتبارات عدة, أهمها:

1- إن حزب البعث خائف على نفسه من نفسه, وإلا ما معنى أن يملك الحزب من الكادر ما يفوق المليون والثلاثمئة ألف من مجموع سكان سوريا البالغ حوالي 17,5 مليون نسمة ويخشى من المنافسة الديمقراطية الحرة مع أحزاب صغيرة نسبة أعضائها 1% من أعضاء حزب البعث, وهو يملك من الكوادر السياسية والثقافية والإعلامية المؤهلة ما يفوق عشرات الأضعاف ممن يرتاد هذه المنتديات.

   إذا ثمة خوف من الكوادر الحزبي السلطوي نفسه ومن انفراط عقده مع أول بادرة انفتاح حقيقي, كما حصل لكثير من الدول التي كانت تتبنى سياسة الحزب الواحد لإدارة السلطة, لأن الكثير من المنضوين تحت لواء مثل هذه الأحزاب تغريهم السلطة والمنصب أكثر من الأفكار والمبادئ, وحزب البعث أصبح الآن في وضع غير مؤهل على التمييز الدقيق بين مؤمن بأفكار الحزب كعقيدة وفكر وبين طامع في الحزب للحصول على منصب معين في الدولة.

2- إن بقاء حزب البعث في السلطة لأكثر من سبعة وثلاثين عاما ولد لدى قادته عقدة الزعامة المطلقة بحيث يعتبرون أنفسهم الأقدر على رسم الحياة السياسية في البلاد, وأنهم يملكون من الخبرة والكفاءة ما يعجز غيرهم على قيادة الدولة سياسيا واقتصاديا, وأن (الغير) غير مؤهلين لحمل مثل هذه الأعباء, وبالتالي فمن حقهم أن يحددوا الدوائر التي يجب أن يتم النقاش حولها والحديث عنها, مع التنبيه بأن هناك دوائر حمراء لا يجوز تخطيها وأخرى خضراء وأخرى رمادية يمكن الحديث فيها. وبتعبير أدق يمارس الحزب سياسة المعلم في كل شيء, فهو يحدد معيار الوطنية والحرية وحدود الديمقراطية للآخرين, وهو الأجدر على ممارسة دور الرقيب على الثقافة والفن والأدب والصحافة والرياضة.. الخ, وبمعنى أوضح يمارس دور الوصي على القاصر /الشعب بكل تجلياته وأبعاده.

   إن هذه السياسة الاستعلائية أفقدتهم القدرة على التفكير العقلاني السليم والمطلوب والمنطلق من مبدأ (لا أحد يملك الحقيقة كاملة). وبالتالي فعندما يجد نفسه أمام أناس لا يشاطرونه الرأي في قضية معينة يعتبرونه خروجا على المألوف و(إساءة) للوطن, وهذا ما يتطلب مجابهة لا بالمنطق الحواري والتفاهم, بل بلغة التهديد والتلويح بالعصا الغليظة, وهذا ما حصل مؤخرا من خلال ما اتخذ وما قد يتخذ من إجراءات بحق الصناعي والسياسي رياض سيف عضو مجلس الشعب, وكذلك ما تعرض له الكاتب والروائي نبيل سليمان في اللاذقية, إضافة إلى الكاتب والشاعر مروان عثمان (Royarê Amedî) عضو اللجنة السياسية لحزبنا وعضو قيادة مركز جلادت بدرخان الثقافي, وزميله في المركز الكاتب المهندس محمد أمين جمال محمد وما تعرضا له من إهانات على يد رئيس قسم الأمن السياسي في القامشلي ما هو إلا تعبير صارخ عن سياسة العصا الغليظة التي بدأت أولى خطواتها في هذا البلد.

3-                   إن مؤتمر حزب البعث الأخير كان مؤتمرا توفيقيا, حيث أبقى على الكثير من المسائل الملحة التي كانت تفرض نفسها بقوة لنتيجة التغييرات الدولية الكبيرة التي عصفت وتعصف بالعالم اليوم منذ المؤتمر الثامن 1985 وحتى اليوم, ومنها مسألة الانفتاح السياسي والاقتصادي والمحاسبة الضرورية, لذلك لجأ المؤتمر –ومراعاة لتوازنات القوى السياسية ومصالحها ومراكزها- إلى تجنب الحسم في العديد من المسائل السياسية الحساسة, ومنها مسألة  الديمقراطية السياسية على صعيد الوطن ككل؛ إذ قاومت القيادة السابقة (الحرس القديم) كل توجه جدي باتجاه الانفتاح السياسي العام خوفا منها على فقدانها مراكزها السياسية وتعرضها للمساءلة القانونية في القضايا الاقتصادية وغيرها, مثلما تعرض رئيس الوزراء السابق المرحوم محمود الزعبي عضو القيادة القطرية وبعض مساعديه.

     لذلك استخدمت كل نفوذها من أجل لجم مثل هذا التوجه الجدي في المحاسبة, كما أن بقاءها في مركز القرار السياسي يؤمن لها الحصانة والغطاء القانوني اللازم من التعرض لمثل هذه المساءلة, ومن هنا فإن لجوءها إلى لجم كل توجه ديمقراطي حقيقي بالقوة يأتي بالدرجة الأساس في الحفاظ على وجودها ومصالحها, وليس نابعا من حرصها على عدم تعرض الوطن إلى هزات قد تؤثر سلبا على الاستقرار كما يدعون, لأن الاستقرار الحقيقي هو النابع أصلا من قناعة ورضى جميع ألوان الطيف الاجتماعي داخل الوطن, وعندها تتجلى صورة الوحدة الوطنية الحقة بأبهى صورها.¤

 

مؤسسو منتدى جلادت بدرخان

بين

مقولة الرأي الآخر وهراوة علي مخلوف

    إن عجلة النظام تدور كسابق عهدها, خاصة على مستوى الأجهزة الأمنية التي –يظهر وكأنها- لا تستطيع ممارسة عملها دون قمع وإهانة الإنسان /المواطن. فرغم الآمال العريضة التي غلفت انتظار الناس على مدى عقود, ورغم الوعود التي انهالت عليها من كل حدب وصوب, بأن هناك تغييرا وتحديثا وتطويرا, وأننا في سوريا سندخل مرحلة تاريخية جديدة, مرحلة الشفافية والتكنولوجيا والمعلوماتية. لكن هذه الوعود –التي بقيت وعودا-لم تعجب بعض رموز النظام, فأعلنوا النفير العام بكل ما صادروه من حرية الناس ولقمة خبزهم, وتنادى إلى النفير المعلقون بآذيالهم ممن يطلق عليهم قادة الأوركسترا الجبهوية, الأحادية الصوت والكلية القمع, لاسترداد الوعود إلى خزانتهم المتخمة بعرق الوطن وناس الوطن, ولمصادرة الأحلام التي قد تتشكل بوحي من تلك الوعود, وتسلحوا بكل التهم الملعبة, والصالحة لكل شخص في كل زمان ومكان, واستنفرت, بإيحاء منهم, ومعهم السيط والأقلام, ثانية, ولكي يبقى الوطن –كل الوطن- مزروعة آمنة لهم بدؤوا بتشويه كل الرموز التي تنادي أو قد تنادي بضرورة التغيير والعصرنة فمن الاتهام بالعمالة إلى الاعتداء النفسي والجسدي. إن الذين أعلنوا النفير العام والذين تنادوا إليه من فقهاء الظلام الذين لا يمكن لهم أن يعيشوا أبدا في أجواء الشفافية والعلنية, استعجلوا تدوير العجلة بسرعة أكثر من السابق؛ فقد أحسوا بأن نور صباحات سوريا سيزيل كل هذا الظلام, والصدا المتراكم منذ سنين, وإن أحلام المهمشين والمغيبين من أبناء سوريا –كردا وعربا وأقليات قومية- سترسم وطنا لكل السوريين دون إقصاء أو تغييب, دون قمع أو إهدار كرامة, وطنا لا تغيب عنه الشمس أبدا كي لا يعاد فيه إنتاج فقهاء الظلام ومشايخ القمع والإقصاء ثانية.

   وقد تسارعت الخطوات نحو اغتيال هذا الوليد السوري –الديمقراطية- الذي يأتي ولا يأتي, فمن الاعتداء الآثم الذي تعرض له الكاتب نبيل سليمان بأيد مجهولة آثمة, إلى ضرب وإهانة وإهدار كرامة كل من الكاتبين مروان عثمان, عضو اللجنة السياسية لحزبنا, والمهندس محمد أمين محمد, العضوين في منتدى جلادت بدرخان الثقافي في القامشلي. ولكن هذه المرة ليس بأيد مجهولة وإنما بيدي رئيس قسم الأمن السياسي في القامشلي العميد علي مخلوف الذي أبى إلا أن يعذبهما ويهينهما بنفسه. فإلى متى سيبقى إهدار كرامة الإنسان في هذا الوطن الذي يعد مزرعة –مع الأسف- لأمثال العميد المذكور الذي لا يملك القدرة على الحوار السياسي بقدر ما يملك خبرة هائلة في الضرب والمسبات البذيئة, إلى متى سيبقى إهدار كرامة المواطن فعلا اعتياديا مباحا؟! وإلى متى سيبقى المواطن دون حرمة في شخصه وفي بيته؟ وإلى متى ستبقى الاستدعاءات الأمنية دون أية رقابة؟! أهذه هي المؤسسات التي ستصون حوار الآراء والأفكار من أجل تفعيل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وإخراج البلاد من أزماتها البنيوية, اقتصاديا وسياسيا واجتماعي؟!!

   إنهم يدفعون الإنسان دفعا من تخندقة في سايكولوجيا الخوف إلى تخندق آخر أكثر إيلاما؛ سايكولوجية التقية.

   إننا في حزب يكيتي الكردي في سوريا ندين ونستنكر هكذا أعمال استفزازية, ونطالب السلطات بوضع حد لمثل هذه التصرفات اللاإنسانية.¤

 

 

كونفرانس

أكراد سوريا في النرويج

    بنشاط مباشر من منظمة حزبنا في أوربا, عقد كونفرانس حول القضية الكردية في سوريا بتاريخ 10/2/2001 بمدينة ستيفانجر بالنرويج, حضره حوالي مئة شخصية ثقافية وسياسية, من الكرد والنرويجيين, وقد تحدث عضو البرلمان النرويجي مايكل, وهو من أصل أميساد (قومية تعيش في شمال النرويج), ذكر تجربة القومية الساميسيكية في كل من النرويج, السويد, فنلندا وروسيا, وكيفية حصولها على حقوقها في تلك البلدان ماعدا روسيا, التي مازال هذا الشعب يعاني من أوضاع سيئة شبيهة بوضع الأكراد في سوريا. ومن الحزب الاشتراكي اليساري تكلم عضو البرلمان السيد لانكلاند, وهو المسؤول عن القضايا الكردية في البرلمان النرويجي, وبين دفاع حزبه عن حقوق الكرد عامة لاسيما داخل البرلمان, ويجري دوما حث وزير الخارجية على عرض القضية الكردية في المحافل الدولية. وتحدثت السيدة رانفيغ وهي المسؤولة الثانية في لجنة حقوق الإنسان الدولية في النرويج, حيث شرحت وضع السجناء السياسيين في سوريا بشكل عام من حيث الأوضاع والأرقام. وتحدث الرفيق محمد أومري الذي اعتقل من قبل المخابرات العسكرية وأوداع معتقل (فرع فلسطين) مدة عامين دون محاكمة, حيث أوضح تجربته الشخصية ومعاناته في السجن مع معاناة غيره في السجون السورية في ظل الأحكام العرفية وقانون الطوارئ الذي تعيشه البلاد منذ أربعة عقود. ثم قدمت فرقة فلوكلورية كردية دبكات كردية تراثية. وأخيرا تحدث الرفيق سعد الدين ملا /مسؤول تنظيم أوربا, عضو اللجنة السياسية لحزبنا/ فبين بالتفصيل واقع الشعب الكردي في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا, وقد قام الكاتب والصحفي ع.ب. حسيني بتغطية وقائع الكونفرانس.

   وفي الختام قدم الفنان جوان حاجو أغان شجية. وتوج الكونفرانس بقرارات عديدة لخدمة القضية الكردية في سوريا وكردستان عموما, ومن هذه القرارات:

1-                   يتوجه الكونفرانس برسالة إلى رئيس وزراء النرويج ووزير خارجيتها ويطلب منهما:

-القضية الكردية هي قضية 35-40 مليون نسمة, ينبغي إيجاد حل سلمي لها, وعلى المسؤولين في النرويج التدخل بشكل فعال في هذا الاتجاه.

-يمكن للنرويج التحضير لكونفرانس دولي للبحث عن حل سلمي ديمقراطي عادل للقضية الكردية.

-من خلال كون النرويج عضو في مجلس الأمن يمكنها رفع القضية إلى الأمم المتحدة.

-يجب أن تتدخل النرويج لدى الدولة السورية لإيجاد حل عادل للقضية الكردية في سوريا.

2-                   يرغب الكونفرانس في العمل المشترك وتبادل الآراء بين حزب يكيتي وبرلمان الشعب السامي.

3-                   سيبعث الكونفرانس رسالة إلى السيد كوفي أنان لتقوم الأمم المتحدة باتخاذ قرار رسمي لتبني القضية الكردية وإيجاد حل عادل سلمي لها. وأن الكرد يناضلون من أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

4-                   سيبعث رسالة للكونغرس الأمريكي؛ تتضمن ضرورة تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط من خلال إيجاد حل عادل للقضية الكردية.

5-                   يدعو الكونفرانس جميع الأحزاب والقوى الوطنية الكردية في جميع أنحاء كردستان للتقارب وإيجاد صيغ للعمل المشترك.

هذا وقد كتبت الصحافة النرويجية عن الكونفرانس, وقابلت صوت أمريكا مسؤول تنظيم أوربا لحزبنا ومسؤول التنظيم في النرويج, وتم شرح وقائع الكونفرانس وقراراته.¤

 

 

رسالة تعزية

    

الأخ العزيز المناضل مسعود البرزاني المحترم

رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني الشقيق

 

  ببالغ الحزن وبشعور عميق بفداحة الخسارة تلقينا نبأ المفجع لرحيل الشخصية الوطنية والمناضل الكبير فرنسو حريري.

   لقد كان الراحل الكبير أسوة حسنة لأبناء شعبه الآشوري العريق في كل ميادين الحياة, وكان لانتمائه المبكر إلى صفوف البارتي الشقيق إثر اندلاع ثورة أيلول المباركة صدى كبير في سائر أرجاء كردستان لأن ذلك كان يقدم التجسيد الأمثل لكل ما يعنيه العيش المشترك لشعبين متلاحمين متمسكين بأرضهم التاريخية, وكان يبرز الطابع التعددي الديمقراطي البعيد عن التعصب القومي والعنصري لحزبكم العظيم ولثورة أيلول الوطنية.

  كما كان فرنسو مثال البيشمركة القائد طيلة ثورتي أيلول وكولان, وكانت صفاته القيادية قد برزت في وقت مبكر فأصبح من الأشخاص المعتمدين المقربيين للبارزاني الخالد وموضع ثقته واعتماده فازدادت مكانته عمقا ورفعة لدى الشعب الآشوري والشعب الكردي على حد سواء, وكما أجاد العمل الثوري قبل انتفاضة 1991 برع في العمل السياسي والإداري والتنظيمي على نطاق الحزب والبرلمان والحكومة في آن واحد وبالرغم من عظم المهام الموكولة إليه بشكل رسمي فإنه لم يتوان عن النشاط الاجتماعي والتربوي والرياضي.

   كان الحريري في الخندق الأول للدفاع عن التجربة الديمقراطية في كردستان العراق ورائدا في جهود التنمية والازدهار وعاملا أساسيا في جهود المصالحة واستتباب السلم الاجتماعي والوطني لذلك كان هدفا كبيرا لأعداء التجربة الديمقراطية والتنمية والسلم, وقد حاولوا النيل منه مرارا عديدة قبل هذه المحاولة الأخيرة؛ إلا أن تلك المحاولات لم تثنه عن نشاطه الدؤوب والمضني.

   لقد كان اغتيال فرنسو ضربة موجعة إلى صميم اللحمة الكردية-الآشورية وإلى قلب التجربة الديمقراطية في الإقليم العزيز على قلوب الكرد وسائر الشعوب الكردستانية وإلى كل ما تمثله هذه التجربة من تعددية رائدة رائعة يحق لها أن تكون قدوة لكل البلدان التي تضم ضمن حدودها قوميات وأعراقا واثنيات متعددة, كما أن تنفيذ هذه الجريمة في وقت بدأت فيه العملية السلمية في الترسخ وبأت أجواء السلام والأمن والاستقرار تشرق على الإقليم يدل على أن المنفذين قد استهدفوا هذه العملية قبل كل شيء.

   إن اغتيال الحريري يمثل في جوهره محاولة لاغتيال المحبة والشرف والتسامح والتضحية والوفاء وهيهات أن يتمكن فرد أو منظمة أو حزب من اغتيال كل هذه المعاني, فالشعب الكردي وشقيقه الآشوري قد قدما في تاريخهما الطويل آلاف الشهداء لتعيش تلك المعاني وتترعرع على أرض كردستان لتبقى على طهارتها ونقائها وكونها الحضن الآمن لكل من يلوذ بها من المستضعفين والمضطهدين.

   ولن ننسى قط مكانته لديكم شخصيا لأنه كان صديقكم ورفيقكم كما كان صديقا ورفيقا للبارزاني الأب, لذا نراكم أولى الناس بالعزاء.

   إننا في الأحزاب الكردية المجتمعة في سوريا بهذه المناسبة, نستنكر بشدة وندين العمل الإجرامي الخسيس ونعتبر منفذيه متلبسين بالعار والخزي ومستحقين لعنة التاريخ وسخط شعبنا الصابر.

   إن عدم قيام أي منظمة بتبني الحادث, يلغي أي طابع سياسي قد يحاول البعض إضفاءه عليه, ناهيكم عن أن ذلك يشكل أكبر دليل على جبنهم وخجلهم من إعلان نواياهم الدنيئة التي ستجعلهم موضع احتقار ولعنة كل الشرفاء في كردستان.

   وفي الختام لا يسعنا إلا أن نتوجه إليكم شخصيا, وإلى حزبكم الشقيق ومن خلالكم إلى كافة المختصين من أبناء الشعبين الكردي والآشوري وإلى أهل الفقيد, بأحر التعازي, داعين المولى القدير أن يسكن الشهيد الكبير فسيح جناته وأن يغمره بعفوه وغفرانه.

 

  ودمتم                                  لـ 20/2/2001

 

الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي في سوريا

حزب يكيتي الكردي في سوريا

الحزب اليساري الكردي في سوريا

الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا (البارتي

 

عن المرأة في يوم عيدها

   لكل حقبة من تاريخ المجتمعات سمتها الخاصة, والمرأة باعتبارها فردا من أفراد المجتمع وجزءا لا يتجزأ منه ترتبط قضيتها ارتباطا وثيقا بأوضاع بلادها أساسية والاقتصادية والاجتماعية, كما أن المسألة النسوية كانت دائما ولا تزال جزءا عضويا من المسألة الاجتماعية العامة والتي من المستحيل حلها إلا بتحويل المجتمع بأسره, فقضية المرأة هي قضية الرجل وهي قضية المجتمع, ومن العبث طرح قضية المرأة على أنها قضية خاصة بالنساء إلا جزئيا, كما لا يستقيم الحديث عن حقوق الرجل بمعزل عن حقوق المرأة وبفهم واضح للمحصلة التاريخية بتراكمها الحضاري والثقافي, فحيثما يوجد تخلف اجتماعي وقهر إنساني فإن مصاب المرأة أفدح, كما أن درجة تطور المجتمع تقاس بمدى مساهمة المرأة في بنائه ومكانتها فيه.

   إن المشكلة الرئيسية التي تواجهها المرأة هي كيفية تذليل التخلف الاجتماعي الذي تعيشه والذي يرجع إلى العديد من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتاريخية التي أملتها نظرة المجتمع المتباينة للمرأة في الكثير من النواحي التي تجلت في الإيديولوجيات والآراء المتخلفة تجاه ممارستها حقوقها في إطار العائلة وفي المجتمع وفي العمل وتحت تأثير كل هذه المؤثرات الفكرية سواء داخل المجتمع أو من خارجه يتكون وعي المرأة الاجتماعي والسياسي, ومن الواضح أنه في ظل انعدام الحريات الديمقراطية يتحجم تأثير القوى الديمقراطية والأحزاب السياسية التقدمية في خلق وعي متنام عند المرأة مما أدى إلى تحولها إلى كائن من الدرجة الثانية, وتابع للرجل في كل شيء.

   إن جوهر المسألة النسوية هو تأمين المساواة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والحقوقية الكاملة للمرأة وهي من أهم القضايا وأكثرها تعقيدا, فحتى الحقوق الشرعية والقانونية المعروفة والمتفق عليها مبدئيا للمرأة, لم تطبق كحق في الممارسة, فهي نصف المجتمع المعطل, وقضيتها لا تقتصر على المساواة القانونية فقط, بل تتجاوزها إلى المساواة في الحقوق والمسؤوليات وفي مجال التنمية, وذلك بتحررها من التقاليد والقوانين والتشريعات والأعراف ونظم الاستغلال والاضطهاد المزدوج التي عانت منه الكثير تاريخيا, وكذلك تحررها من كل القيود التي تحد من انطلاقتها ومساهمتها في تحسين ظروف مجتمعها لأن تعبئة طاقات المجتمع مهمة أساسية في عملية التنمية ولن يتم ذلك إلا يتحرر طاقات نصف المجتمع المشلول والمهمش. فالمرأة شأنها شأن بقية القوى الوطنية, عليها أن تخوض نضالا سياسيا شاقا يبدأ بضمان حقوق الإنسان وإشاعة الحريات الديمقراطية لخلق مجتمع متقدم فكريا ومؤمن بالتعددية والمساواة والديمقراطية وبناء مؤسسات المجتمع المدني كضمان لتثبيت الحقوق وتطورها. هذا هو المعيار الأساسي لأن تعاظم إسهام المرأة في الحياة العامة وفي النضال الوطني الديمقراطي سيمثل أيضا الضمانة الرئيسية للتحسين المتواصل لأوضاعها على طريق تحررها الكامل.

   وعلى القوى السياسية تعميق الوعي بين الجماهير الواسعة بأهمية تحرير المرأة وجذبها للعمل المأجور والنشاط السياسي والاجتماعي لأنه «من المستحيل حدوث تحولات اجتماعية كبيرة دون خميرة نسائية». أما المرأة الكردية فقد عانت اضطهادا مثلثا –قوميا وطبقيا واجتماعيا- كما أنها تساوت بالرجل في الحرمان من أبسط الحقوق السياسية والمدنية التي كفلتها الشرائع الدولية وميثاق حقوق الإنسان في ظل قوانين استثنائية وإجراءات قمعية.

   إن قضية نضال المرأة الكردية من أجل حقوقها ترتبط بالنضال الوطني العام من أجل الحريات الديمقراطية, فبقدر ما يكون المجتمع حرا تسوده الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية بقدر ما تلبى فيه على وجه أكمل مطالب المرأة عموما وتحقيق طموحاتها, ويبرز دورها الفاعل والمؤثر في مختلف مجالات الحياة, ونتمكن من الوقوف جنبا إلى جنب مع الرجل في جميع أوجه النشاط الاجتماعي والسياسي. لقد ارتبط تخلف المرأة الكردية أو غيابها عن المساهمة الجدية في الحياة العامة في بلادنا بتخلف المجتمع ككل نتيجة الأوضاع السياسية التي سادت البلاد خلال مراحل تاريخية طويلة, فعانت من الجهل والتخلف والأمية الأبجدية والحضارية, ودفعت غاليا ثمن ممارسات لرجعية والأنظمة الدكتاتورية ضد شعبها بمجمل فئاته.

    لكن وبالرغم من بشاعة الظلم وقساوة الظروف فإنها لم تدخر جهدا ضمن حدود إمكاناتها إلا وقدمته لقضيتها الوطنية والقومية والإنسانية ولشعبها الذي عانى الكثير من الهجرة والتشرد, ومن نسف وتدمير لنمط حياته وسلب حقه في تقرير مصيره. وما على الأحزاب والقوى السياسية والديمقراطية إلا الدعوة إلى مزيد من العمل الإيديولوجي والإعلامي الدؤوب حول وضع المرأة وتخصيص حيز أكبر في صحافتها وإعلامها للحديث عن قضاياها, وعدم الاقتصار على المناسبات الخاصة بالمرأة كيوم المرأة العالمي في الثامن من آذار.

وكل عام ونساء العالم والمرأة الكردية بخير..¤

 

إحياء ذكرى رحيل القائد الكردي

مصطفى البارزاني

    بمناسبة الذكرى الثانية والعشرين لرحيل الزعيم الكردي البارزاني مصطفى عقدت كل من الأحزاب الكردية: الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي, الحزب اليساري الكردي, حزب يكيتي الكردي والحزب الديمقراطي الكردي (البارتي) حفلا تأبينيا مشتركا في مدينة القامشلي.

   ألقيت كلمة باسم الأحزاب جاء فيها: «تمر الذكرى الثانية والعشرين لرحيل قائد تاريخي قاد مسيرة أمته عبر عقود متطاولة, لم يعرف فيها هوادة ولا ركونا, فكان كالطود الشامخ سموا وكالنبع عطاء ونقاء وكالإعصار عنادا وإصرارا وكالنسيم رحمة وألفة ولينا؛ إنه البارزاني الخالد, الذي حقق لأمته المعذبة أسطورة الابن البار الذي لم يلن أمام المحن ولم يتراجع أمام الغطرسة وقوة الحديد والنار, قاد شعبه في أحلك الظروف وحقق أنبل الانتصارات وجابه مكائد العنصرية وهمجية الحاقدين بصبر الأنقياء ونبل الأوفياء وعظمة القادة الأفذاذ... وأعطى ثورته بعدا كردستانيا شموليا في الالتحام بثورة الشيخ سعيد, والالتحاق بالقاضي محمد, ورفد الثورات البارزانية الأولى, والمساهمة مع الشيخ محمود الحفيد... ووضع أسس فكرية مدروسة لبناء قاعدة جماهيرية وحزبية منظمة تستفيد من طاقات المجتمع الكردي مدروسة لبناء قاعدة جماهيرية وحزبية منظمة تستفيد من طاقات المجتمع الكردي بتنوعها الأثني والديني والمذهبي من كرد وآشوريين وكلدان وتركمان, مسيحيين ومسلمين وإيزيديين في معركة البناء الداخلي...

   ولم يمكن البارزاني الخالد كل الأنظمة المتعاقبة على حكم بغداد من وسم ثورتي أيلول وكولان بأنها حرب أهلية بين الكرد والعرب, إذ أثبت الهوية التحررية الديمقراطية لهما؛ فأصبحت كردستان العراق ملاذا آمنا لكافة الوطنيين الأحرار من عرب وكرد وأقليات أخرى...

   لقد كان البارزاني يؤسس خلال ثورته لتجربة ديمقراطية لم تلبث أن تحققت بعد الانتفاضة الكبرى 1991, وترسخت عاما بعد عام ولم تؤثر في رسوخها تلك الحرب الأهلية والفتن الداخلية, إذ وعى تلامذته خطورة الأمر فكانت اتفاقية واشنطن التي وضعت حدا لإراقة الدماء بين الاخوة بلا مبرر؛ هذه الاتفاقية التي يأمل كل المخلصين أن تعيد الحياة لأبناء الشعب والوطن الواحد.»

   وقد شارك في الحفل نخبة من الشعراء والأدباء الكرد وفرقة نارين للفلكلور الكردي حيث قدموا كلمات وقصائد وأغان جميلة احتفاء بهذه المناسبة الهامة.¤