(69) في هذا العدد

 

*  الحوار الوطني والمهام الوطنية 2

*  الديمقراطية أولا 4

*  الإجراءات المتخذة... لا معنى لها 7

*  قانون الاستثمار وتعديله 10

*  عام جديد وقرار عنصري جديد 12

*  وثيقة /قرار وزير الداخلية/ 15

*  تجدد النشاط الاستيطاني 16

*  القيادة القطرية تلغي 18

*  صدور وثيقة لجان المجتمع المدني في سوريا 21

*  نشاطات منظمة أوربا 29

 

الحوار الوطني...

والمهام الوطنية

     تشهد سوريا في الفترة الأخيرة نشاطا ملحوظا على صعيد تأسيس منتديات وجمعيات سياسية وثقافية وطنية مستقلة, خارج إطار السلطة وهيمنة الأجهزة الأمنية, تقوم هذه المنتديات بطرح ومناقشة مستلزمات الإصلاح السياسي في البلاد. وفي هذا الإطار قام السيد رياض سيف عضو مجلس الشعب المستقل بإنشاء (منتدى الحوار الوطني) لتقديم سلسلة محاضرات حول الحقوق المدنية للمجتمع السوري, كما قامت مجموعة من المثقفين بتأسيس منتدى (جمال الآتاسي للحوار الديمقراطي), وأيضا (المنتدى الثقافي لحقوق الإنسان) في منزل المحامي خليل معتوق, كما تم تشكيل لجان مستقلة تعمل في نفس الاتجاه, كان آخرها (لجان إحياء المجتمع المدني), وامتدت مسألة إنشاء المنتديات الثقافية والسياسية إلى بقية المدن السورية مثل: حلب, اللاذقية, حمص, والقامشلي.. إضافة إلى منتدى الحوار الحضاري (السيد عمر أبو زلام).

     تعتبر هذه المنتديات مقدمات, أو فعاليات انتقالية, نحو بناء مؤسسات المجتمع المدني في سوريا, فهي تضع على بساط البحث والمناقشة الكثير من القضايا الوطنية ذات الأهمية, مثل:

-   إعادة العمل بقانون المطبوعات الذي يضمن حرية الصحافة والنشر.

-وقف العمل بقانون الطوارئ وإلغاء الأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية.

-إصدار قانون ديمقراطي خاص بتشكيل الأحزاب السياسية والجمعيات والمنديات الاجتماعية والثقافية.

-   استقلالية القضاء عن هيمنة السلطات الأخرى المتنفذة, وخاصة الأجهزة الأمنية التي منحت نفسها كل الصلاحيات.

-                       تسوية أوضاع المحرومين من الحقوق المدنية.

   وهنا لابد من وضع القضية الكردية في سوريا على طاولة الحوار الديمقراطي وأمام محاضري هذه المنتديات, باعتبارها إحدى أهم قضايا البلاد المصيرية, وهي جزء لا يمكن فصله عن القضية الديمقراطية عموما, ولا يمكن تناول قضايا الشعب العربي في سوريا دون الحديث عن قضية الشعب الكردي الذي يمثل زهاء 11% من سكان البلاد, وإلا سنبتعد عن التناول الديمقراطي لجملة القضايا الوطنية وبالتالي لا يحق لنا مطالبة الآخرين بما لا نؤمن به نحن. ¤

 

الديمقراطية أولاً

    كان الملمح الأساسي لسلطة الأجنبي هو الانفصال التام عن الشعب المحكوم عن مشاعره إزاء وطنه, كما لم تكن معظم الحكومات العربية معبرة عن آراء شعوب بلدانها, إذ كانت هذه الحكومات تشكيلات مفروضة بشكل أو بآخر, وبقيت علاقة السلطة السياسية بالشعب علاقة أبوية, فما على الابن إلا أن يطيع ويصغي لأوامر أبيه لأنه أدرى بمصلحته. وهكذا تكون الممارسات غير الديمقراطية نصيب مشترك بين معظم الأنظمة العربية مع اختلاف في الكم والنوع, مما أدى إلى تشتت جهود حركة التحرر الوطني في المنطقة, فلم تعد حركة منسجمة بكل ما في الكلمة من معنى, بل هي حركات تحرر وطني تواجه في كل قطر مهاما مختلفة. لذا كان غياب الديمقراطية أحد أهم العوامل الكامنة وراء النكسات التي أصابت حركة التحرر الوطني العربية, لأن الديمقراطية هي الإطار أو الوعاء الذي ينبغي أن نصب فيه كل محاولات التنمية والنهوض بالمجتمع, والحفاظ على حقوق المواطنين وصيانتها ووضع الأساس القانوني لحماية تلك الحقوق من مزاجية الأجهزة في التعامل معها. ولأن إضعاف الديمقراطية أو تغييبها يؤثر سلبا على القوى الوطنية والتقدمية ويضعف العلاقة السياسية بين الفصائل المتعددة وحتى داخل الفصيل الواحد, في حين تزدهر العلاقات المتخلفة مثل العشائرية والطائفية والقبلية وتصبح هي العلاقات المؤثرة والفاعلة في المجتمع, ولأن الاستبداد والحرمان المطلق من الحريات العاملة والديمقراطية يولدان حالة من الخضوع وانكفاء الشعب على ذاته لعدم مساهمته في صياغة السياسة العامة للبلاد, من هنا كان النضال من أجل التحرر الوطني والقومي يرتبط ارتباطا وثيقا بالنضال من اجل الديمقراطية والحريات العامة في البلاد, إذ أدركت الحركات الوطنية وبدرجات متفاوتة أن إشاعة الديمقراطية في المجتمع هي السبيل الرئيس لتعبئة قوى الشعب على أفضل وجه. وهذا الربط الجدلي السليم بين ما هو وطني وما هو ديمقراطي في العملية السياسية على صعيد البلاد يفند كل مزاعم التأكيد المفتعل على الجانب الوطني دون الجانب الديمقراطي في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية, وأن مبدأ التنازل عن الديمقراطية من أجل أي هدف آخر هو بحد ذاته مبدأ شديد الخطورة, كان يتم محاربة جميع الحريات بحجة أنه: «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة».

    إن النظام السياسي الذي عجز عن وقاية المجتمع من تفاقم ظاهرة الركود في الاقتصاد وفي الميدانين الاجتماعي والروحي, وبما يتسم به من حصر الإرادة في أيدي الجهاز التنفيذي, وغلبة التوجهات الإدارية وكبت الحريات العامة, لم يتمكن من الوقوف بوجه ظاهرات مثل سوء استخدام السلطة والوصولية, والعلة الرئيسية تكمن في أن الإنسان قد سقط إلى حد كبير من الحياة السياسية, وكاد أن يصبح منسيا في هذه المنطقة من العالم. فهذه الآلية الأوامرية الإكراهية هي التي تكبح التحولات الجذرية في إطار تحقيق الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي وتطوير الميدان الاجتماعي والثقافة.

    إن إشاعة الديمقراطية تعنى اشتراك الملايين في إدارة شؤون البلاد وتحقيق مبادئ الفصل بين وظائف الحزب وأجهزة الدولة والمنظمات الاجتماعية. إن الشعب المتساوي في الحقوق والسلطة ذات الهيبة والقانون الصارم هي أجزاء مكونة لدولة القانون التي يعتبر الإنسان قيمتها العليا وأن المضمون الحقيقي للديمقراطية السياسية يكمن بالدرجة الأولى في بناء علاقات سياسية تستند إلى الحوار العلني والهادف كممارسة ثابتة لسلطة الدولة ووفق الدستور الذي يفترض منه أن يكون ضامنا للتعددية ومعبرا عن الرغبات والقواسم المشتركة لكل الطبقات والفئات الاجتماعية المهتمة باستقرار سياسي-اجتماعي دائم رغم تنوع وجهات النظر واختلاف الآراء التي لا تمت بصلة بالطبع إلى تعددية لسلطة ووفق مبدأ «الوحدة في التنوع». لذا فإن التعددية الحزبية تكون الضمنة الفعلية التي تقود إلى إلغاء القيادة الواحدة للسلطة (الحزب يقود الدولة والمجتمع) وما تفرزه من سلبيات, وبهذا الصدد فإن موضوع فصل السلطات يتمتع بأهمية ديمقراطية كبيرة لأنه يعني في جوهره تقاسم السياسة بين قوى عديدة وليس احتكارا على حزب سياسي واحد. وهكذا فإن الشكل الديمقراطي للحكم لا يمكن تصوره بدون شكل بناء الدولة التي يرتكز جوهرها على طبيعة العلاقة بين القوميات المختلفة داخل الحدود الوطنية. لذلك فإن هذا البناء ليس فقط مراعاة الحقوق القومية للشعب الكردي في سوريا, بل تجسيدها في صياغات دستورية وعكسها في التركيب السياسي لسلطة الدولة وتثبيت الحقوق بشكل ديمقراطي بعيدا عن روح الاستعلاء القومي, وتأكيد لمبدأ الشراكة في الوطن الواحد. فالديمقراطية مطلب سياسي للشعوب كلها, ولو تتبعنا عملية تطور حركة التحرر الوطني والاجتماعي في العالم لوجدنا أن الديمقراطية السياسية كانت وما تزال مرتكزا هاما من مرتكزات هذه الحركة بصفتها حلا لأهم المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية, فلا فرق في المستويات بين حق الإنسان في أن يعمل ويأكل وبين حقه في أن يفصح عن رأيه لأن الكلمة أو الرأي لها نفس قدسية لقمة العيش, إن لم تكن أكثر , وإلا لما كانت السجون والمنافي مقاما للكثيرين في أكثر الأحيان. فالنضال من أجل الديمقراطية والحريات العامة هو محور الصراع في التاريخ, وستبقى حركات التحرر موجودة طالما أن هناك ظلما سياسيا واجتماعيا.

    لقد غدت الديمقراطية إحدى أهم مكتسبات العصر؛ ففيها تتجسد حرية النقد والكلمة والصحافة والاجتماعات والمهرجانات الخطابية بشكل علني والمشاركة السياسية وسيادة القانون واحترام الدستور, وفي ظلها يتم إنهاء احتكار السلطة وإزالة الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية ووضع حد للفساد الإداري ومظاهر الرشوة والمحسوبية والتمييز بين المواطنين, فهي السبيل لإطلاق كل القدرات والعقول من إثارات تكبلها, فلم يعد خافيا على أحد بأن الغمامات العقائدية الجامدة بدت عاجزة عن تقديم الحلول لمسائل العصر الملحة, فهي لا تحمل عصا سحرية تخلصنا من المصاعب والواقع الذي نعيشه غير تصوراتنا الرومانسية عنه. ¤

 

 

الإجراءات المتخذة في مسعى التحديث والإصلاح

لا معنى لها مادامت لا تترافق بإيجاد القوانين

    الكثير من الوعود أطلقت مع بداية الرئاسي الجديد حول التحديث الاقتصادي والديمقراطي والتعددية واحترام الرأي الآخر, والشفافية, وما إلى غير ذلك من قضايا تضمنها الخطاب الرئاسي للدكتور بشار الأسد لدى تسلمه منصبه كرئيس للجمهورية, إلا أنه وحتى اليوم لم يتحقق أي أمر جوهري يؤكد التوجه نحو تحقيق تلك الوعود لا على المستوى الاقتصادي ولا على المستوى السياسي.

   في الميدان الاقتصادي ثمة تخبط واضح يزيد الوضع تدهورا وتعقيدا بالنظر إلى الأداء الحكومي المرتبك والمتناقض الذي يبدو أنه يعتمد الارتجالية في رسم السياسات والخطط الاقتصادية أكثر من اعتماده على معطيات الواقع ومتطلبات المعالجة الشافية للمشكلات القائمة وتهيئة أسس التطور والتحديث الاقتصادي مع بقاء كل رموز الفساد الإداري والاقتصادي على رأس المؤسسات والإدارات بعد إغلاق –شبه تام- ملف الفساد, هذا أولا, أما ثانيا فإن المعالجات المطروحة حتى الآن هي معالجات عرضية تبتعد عن البحث في أصل الداء, لأن الطاقم الحكومي الراهن, مع بعض الاستثنائات, غير جاد في البحث في أصل المشكلات طالما أنه نفسه جزء من الداء وأصل المشكلات, وليس غريبا إذا أن يشتكي الناس من تناقض واختلاف في تطبيق قرارات مجلس الوزراء بين دائرة وأخرى, ومؤسسة وأخرى. وحقيقة الأداء الحكومي لا داعي لأن نسترسل كثيرا في عرض الواقع الاقتصادي, إذ أنه لا يحتاج لمزيد من العرض, أما على المستوى السياسي والذي هو الأهم برأينا لأننا نعتقد بأنه لا يمكن لأية معالجات حقيقية وفاعلة لمشكلات اقتصادنا أن تتم ما لم يسبقها إصلاح سياسي, وهو جذر المشكلة, والذي لا يبدو في الأفق حتى الآن استعداد جدي لفتح هذا الملف الأساسي والجوهري. وبعض الخطوات التي تتخذ لا تتعدى القشور بينما في الجوهر الأمور تسير كما كانت عليها في السابق لسبب بسيط هو أن هذه الإجراءات تجري بمعزل عن إيجاد القوانين الناظمة لها والضامنة لديمومتها, وعندما نتحدث عن الإجراءات نقصد بعض الخطوات التي تمت حتى الآن وبالتحديد العفو الرئاسي عن السجناء السياسيين وقرار القيادة القطرية بخصوص صحف أحزاب الجبهة, وكذلك تطبيقات بعض القرارات التي اتخذت في الماضي في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد.

    بالنسبة للعفو الرئاسي عن السجناء السياسيين الذي لقي الترحيب من لدن مختلف قطاعات الشعب رغم أهميته, كونه خطوة غير مسبوقة, إلا أنه إجراء ناقص ولا يمكن اعتباره مؤشرا على التوجه نحو مناخ سياسي صحي, فهو من جهة لم يكن عفوا كاملا؛ إذ لم يشمل كل السجناء السياسيين بالإضافة إلى أنه تجنب الهاربين والمنفيين الذين لهم كل الحق في العودة إلى الوطن, ومن جهة أخرى إن هذا العفو لم يترافق بأية قوانين تضمن منع تكرار ظاهرة الاعتقال السياسي التعسفي لأصحاب الرأي في ظل سريان الأحكام العرفية وقانون الطوارئ الذي يطلق العنان لأجهزة الأمن بالتصرف بموجب صلاحيات تكاد تكون مطلقة في توقيف واعتقال المواطنين دون أسباب حقيقية مبررة, والتدخل في كل كبيرة وصغيرة من حياتهم, حتى غدا المواطن السوري لا يعرف العيش ولو للحظة واحدة دون هاجس ضغوطات أجهزة الأمن المتعددة. هذا إلى جانب أن الكثيرين من السجناء السياسيين, إن لم نقل معظمهم, سواء الذين خرجوا بموجب العفو الرئاسي أو الذين خرجوا من قبلهم بعد انقضاء فترات أحكامهم, لا زالوا سجناء وإن كانوا خارج جدران السجن, فهم ممنوعون من حق السفر خارج القطر وأيا كانت دواعي السفر, ومجبرون على مراجعة الجهات الأمنية التي اعتقلتهم بصورة تكاد تكون شهرية رغم مرور سنوات على خروج الكثيرون منهم من السجون. ونفس الشيء يمكن أن نقوله بخصوص القرار الأخير الذي اتخذته القيادة القطرية لحزب البعث والذي تسمح بموجبه لأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية بإصدار صحفها بصورة رسمية ولأول مرة منذ قيام هذه الجبهة. وطالما أن القرار يحصر إصدار الصحف بأحزاب الجبهة ويحرم بقية فعاليات المجتمع منه, وطالما أن القرار لم يترافق بإصدار قانون للصحافة يكفل حرية التعبير للجميع. فحرية الصحافة تكون موجودة فقط بقانون ودون ذلك لا يمكن أن نعتبره شكلا من أشكال الاعتراف بحرية التعبير والصحافة, لأن هذه الصحف التي صدرت والتي ستصدر, ومهما امتلكت من المساحة في حرية التعبير ومهما امتلكت من الجرأة ستكون في النهاية مقيدة بمراعاة الجهة صاحبة القرار ومدينة لها في الوقت الذي يفترض بالصحافة  في المجتمعات التي تحترم حرية الكلمة والتعبير أن لا تكون مقيدة باعتبارات من هذا النوع أو مدينة لأية جهة إلا للقانون. وبالتالي يظل هذا القرار بعيدا عن أن يكون استجابة للمطلب الأساسي /إن لم يكن التفافا عليه/ لفعاليات المجتمع السوري التي تدعو إلى صحافة حرة وقانون صحافة يتيح حرية التعبير للجميع دون استثناء.

   وفي السياق ذاته تأتي تطبيقات قرار وزارة الداخلية الذي اتخذ قبل حوالي السنة, والذي ألغي بموجبه شرط موافقة الأجهزة الأمنية على تأشيرات الخروج للراغبين بالسفر والذي برره وزير الداخلية حينه بالرغبة في إعطاء المواطن بعض التسهيلات للتنقل والسفر كأبسط حق من حقوق المواطن, لكن الذي يجري عمليا أن الألوف من المواطنين ممنوعون من السفر لأسباب /سياسية/ بموجب تعاميم وتوجيهات من الجهات الأمنية ولا تمنح تأشيرات الخروج إلا بموجب موافقة مسبقة من هذه الجهات.

    لذلك نعود ونقول إن الإجراءات المتخذة حتى الآن على الصعيدين الاقتصادي والسياسي تبقى إجراءات شكلية لا قيمة لها في مسعى التحديث والإصلاح السياسي بعناوين الديمقراطية والتعددية واحترام حقوق الإنسان طالما لا تترافق بقوانين تؤسس لترسيخها وديمومتها وتكاملها, وبالتالي المطلوب, وحتى تكون تلك الإجراءات إيجابية ونافعة بصورة حقيقية, رغم أنها لا تشكل شيئا مهما في مطمح الشعب السوري, وحتى تصبح ملكا للشعب ينبغي أن تقترن بقوانين واضحة تضمن عدم إلغائها ومصادرتها مستقبلا من لدن أية جهة. ¤

 

 

 قانون الاستثمار وتعديله

والاستثمارت المرجوة

    رغم مضي قرابة عشر سنوات على صدور قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1991, إلا أن حجم الاستثمارت مازال متواضعا, ومازالت المجالات التي تمت فيها الاستثمارات المشمولة بأحكامه بعيدة عن القطاعات الاقتصادية الأساسية –ومعظمها لا تحقق الغاية المرجوة منها, وتتميز بالهامشية, فهي مستثمرة في القطاعات المحققة للربح السريع أولا ويسهل تصفيتها واستعادة الرساميل الموظفة فيها وقت اللزوم ثانيا؛ فهي لا تساهم في خلق أي تراكم إنتاجي وطني بأي شكل من الأشكال. والنسبة العظمى من هذه الاستثمارات-على الرغم من محدوديتها- متواضعة من حيث الموجودات ورأس المال الثابت فيها أولا, ومن حيث قدرتها على استيعاب الأيدي العاملة ثانيا.

    وبدل أن يقوم القائمون على «شؤون البلاد والعباد» بدراسة جدية لهذه الظاهرة والبحث عن الأسباب الحقيقية وراء عدم قدرة قانون الاستثمار رقم /10/ لعام 1991 على جذب الرساميل وتوظيفها في القطاعات الاقتصادية الأساسية, والإنتاجية منها على الخصوص, أصدروا تعديلا على القانون المذكور القانون رقم /7/ لعتم 2000 أعطيت بموجبه المزيد من التسهيلات والامتيازات والإعفاءات الضريبية, التي لسنا ضد منحها مبدئيا, ولكننا نقول إن إحجام الرساميل الوطنية منها وغير الوطنية عن الاستثمار في القطاعات الاقتصادية الأساسية وخاصة الطويلة الأمد منها من حيث العائد والربحية, لا يمكن في الامتيازات والإعفاءات القانونية التي يجب أن تمنح لها وإنما يكمن في المناخ الذي تتم فيه هذه الاستثمارات وتحديدا المناخ السياسي والقانوني, فإن مفعول التعديل لن يكون أفضل من مفعول القانون الأساسي, ولن تحيد الاستثمارات المشمولة بموجبه عن دائرة المنظفات والشامبوهات والعلكة.

   برأينا إن السبب الحقيقي وراء عدم قدرة قانون الاستثمار على استقدام الرساميل الكبيرة عامة وتوظيفها في القطاعات الإنتاجية خاصة, غياب فاعلية الدولة بالمعنى القانوني والمؤسساتي, وليس بمنح المزيد من الإغراءات والإعفاءات.

    أية استثمارات يمكن أن تستقدم في مناخات انعدام الشفافية وغياب القانون! وسلطة أصحاب الامتيازات «فوق القانونية» ونظام الخوات, والأجواء المغلقة؟! إن جذر المشكلة كما جذر الأزمة الاقتصادية ليست اقتصادية ولا تحل بقوانين اقتصادية, وإنما هو سياسي بالدرجة الأولى ويتعلق ببنية الدولة وتشوهها البنيوي وطبيعة النظام الذي تأخذ به ومفاعيله اجتماعيا, اقتصاديا وسياسيا. فإذا كانت هناك فعلا إرادة حقيقية جادة للإصلاح فإنه يجب أن يمر عبر الإصلاح السياسي أولا, وإلغاء كل الإجراءات غير القانونية والاستثنائية التي تضخمت على حساب سلطة الدولة ومؤسساتها المجتمعية وتعديل الدستور والقوانين كي لا تكون على مقاس شخص أو فئة أو حزب, آنذاك يمكن أن تحل الأزمات الاقتصادية بقوانين وحلول اقتصادية بحتة.¤

 

 

عام جديد

وقرار عنصري جديد

     استقبل الشعب السوري بشكل عام, والشعب الكردي بشكل خاص العام الجديد بنوع من التفاؤل بأن هناك تغييرات في سوريا تبدو في الأفق, وقد تطال كافة المناحي, السياسية منها والاقتصادية, انسجاما مع المتغيرات الدولية والتي من أبرز سماتها الأساسية الديمقراطية الحقيقية وحماية حقوق الإنسان وتطبيق مبدأ العدالة والمساواة في الحقوق والواجبات دون تفريق بين المواطنين بسبب العرق أو الجنس أو الدين, والاعتراف بحقوق الجميع وبأن سوريا وطن للجميع وتتسع للجميع. وهذا يتطلب من النظام إعادة النظر في الكثير من سياساته, خاصة فيما يتعلق بمسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية وحرية التعبير والرأي وإلغاء مفهوم هيمنة حزب البعث على قيادة الدولة والمجتمع, وإعادة النظر بسياساته الإلغائية تجاه القضية الكردية في سوريا وذلك من خلال الوقوف على جوهر المشكلة بجدية ومسؤولية وتغليب لغة الحوار والتفاهم بدلا من لغة التهديد والإقصاء وإصدار القرارات التي تشتم منها رائحة العنصرية المقيتة والتي عفا عليها الزمن وتركتها معظم الأنظمة في العالم, لكننا بدلا من ذلك نفاجأ بقرار جديد من وزير الداخلية يزف لنا بشرى عام /2001/ ويعلن صراحة بأن الكرد في سوريا لهم وضع خاص وبالتالي يجب أن تمارس بحقهم سياسة خاصة واستثنائية         بكل تجلياتها, وذلك خلال إصدار الوزير للتعميم رقم /1028/ص تاريخ             31/12/2000م والمتعلق بإجراءات فقدان البطاقة الشخصية. حيث ظهر التمييز واضحا بين المواطنين السوريين من أصول عربية والمواطنين الكرد؛ إذ تنص الفقرة الثانية من التعميم على (وجوب التعمق بالتحقيق وإجراء الدراسة الكاملة عن كل من يدعي فقدان البطاقة الشخصية وذلك بالتنسيق مع فرع الأمن السياسي في المحافظة المعنية).

    أما الفقرة الرابعة فتنص (على أمانات السجل المدني ألا تقوم بتسليم أي بطاقة صنعت بدلا عن ضائع لمواطن من أصل كردي إلا بعد الحصول على موافقة كل من شعبة الأمن السياسي وشعبة المخابرات العسكرية وإدارة المخابرات العامة وتحت طائلة المسؤولية).

     إن من يتمعن في هاتين الفقرتين يلاحظ بجلاء سياسة التفرقة العنصرية الواضحة والتي تبعث على الاستياء والاستنكار من لدن جماهير شعبنا والوطنيين الخيرين في عموم سوريا, إضافة إلى أن هذا الإجراء الاستثنائي مردود على السلطة لعدة اعتبارات, منها:

إن هذا التعميم هو غيض من فيض الإجراءات الاستثنائية التي طبقت وتطبق بحق شعبنا الكردي منذ أربعة عقود وحتى الآن بهدف ثنيه عن الدفاع عن وجوده وكرامته, لكنها فشلت في تحقيق ذلك رغم ما أصاب شعبنا جراءها من معاناة واضطهاد سواء كانت سياسية أو اقتصادية.

إن بضع مواطنين كرد يتعرضون لفقدان البطاقة الشخصية لأسباب شتى ويتسبب هذا الإجراء الاستثنائي في بعض التعقيدات الإجرائية في الحصول عليها ليس بأسوأ من تجريد /200/ مئتي ألف مواطن كردي من الجنسية السورية بموجب إحصاء استثنائي نفذ منذ /1962/ وحرموا بموجبه من كافة حقوقهم الوطنية والإنسانية والقومية, ومع ذلك فهم صامدون.

إن السلطة ومن خلال إعلامها اليومي تتغنى بمقولة الوحدة الوطنية وسبل تعزيزها وآلية تطويرها..الخ, فأين يذهب وزير الداخلية بمقولة الوحدة الوطنية وهو يقوم بهدم أسسها من خلال إصدار مثل هذه التعاميم التي تميز صراحة بين مواطن وآخر بسبب العرق لا أكثر.

    فالوحدة الوطنية ليست شعارا وكلاما يطلق في الهواء والصحف, بل هي ممارسة يومية وعدالة ومساواة بين كافة أبناء الوطن الواحد دون تمييز, لكن يبدو أن لوزير الداخلية رأيا في هذا الموضوع يختلف كليا عما نقرؤه أو كما يفهمه الجميع. 

d    إن هذا الإجراء يعتبر ردا واضحا ورسالة لتلك الفصائل الكردية التي تقول بأن هناك (انفراجا نسبيا من جانب السلطة تجاه الشعب الكردي في سوريا), نأمل من هؤلاء ألا يركضوا وراء السراب أكثر مما ركضوا.. وأن مصلحة شعبهم ومعاناتهم فوق أي اعتبار وأن يقولوا الحقيقة كما هي بعيدا عن لغة التملق والتزلف, وأن يقفوا بجرأة أمام ما يتعرض له شعبنا من سياسات شوفينية وعنصرية استثنائية؛ فالتاريخ والشعب لا يرحمان أولئك الذين يقومون على لي عنق الحقائق أو طمسها لقاء مكسب آني وحظوة عند فلان.

d    وأخيرا نقدر لوزير الداخلية موقفه الجريء والواضح !! لأن الذين سبقوه كانوا يمارسون سياسة الالتفاف حول مثل هذه المواقف إذ كانوا يصدرون قراراتهم بحق الشعب الكردي ولكن بأسلوب موارب كان يذكروا في القرارات (محافظة الحسكة) أو (المحافظات الحدودية) وكان نتيجة ذلك وقوع غبن كبير على المواطنين العرب والسريان و.... في تلك المناطق نتيجة شمولهم بمثل هذه القرارات الاستثنائية –الخاصة بالكرد-. أما هذا القرار فقد أنصفهم.

وكل عام وتتالي القرارات العنصرية بخير!!؟؟. ¤

 

وثيقة

الجمهورية العربية السورية

       وزارة الداخلية

إدارة التنظيم والإدارة

الرقم / 1028 / ص                                                 

الموافق 31 / 12/ 2000م

تعميم

نؤكد على تنفيذ مضمون التعليمات المعممة إليكم بشأن التحقيق بفقدان البطاقات الشخصية وبخاصة التعميم رقم 337/ ص تاريخ 15/7/1998م  والأمر الدائم رقم 1224/ ص تاريخ  2/10/1982م

ويطلب إليكم إجراء ما يلي:

1-                   المباشرة بالتحقيق فور ادعاء المواطن بفقدان بطاقته الشخصية مع توخي أن يتم ذلك بأسرع وقت تمكينا للمواطن من الحصول على بطاقة بديلة بالسرعة الممكنة.

2-                   وجوب التعميق بالتحقيق وإجراء الدراسة الكاملة عن كل من يدعي فقدان بطاقته الشخصية وذلك بالتنسيق مع فرع الأمن السياسي في المحافظة المعنية.

3-                   على أقسام ومخافر مراكز الانطلاق في المحافظات كافة تدقيق كل بطاقة شخصية والتثبت من صحتها ومطابقتها على حاملها من المسافرين.

4-                   على أمانات السجل المدني ألا تقوم بتسليم أي بطاقة صنعت بدلا عن ضائع لمواطن من أصل كردي إلا بعد الحصول على موافقة كل من شعبة الأمن السياسي وشعبة المخابرات العسكرية وإدارة المخابرات العامة وتحت طائلة المسؤولية.

-  أمناء السجل المدني ورؤساء الوحدات من الضباط مسؤولون عن دقة التنفيذ.

                                                                               الدكتور محمد حربة

                                                                               وزير الداخلية

المرسل إليهم :

-                     معاون وزير الداخلية للشؤون المدنية.- المديرية العامة للأحوال المدنية.

-مديريات الشؤون المدنية(( أمانات السجل المدني )) – تعميم حتى المخافر –  يحفظ في المجموعات الدائمية مصنف   رقم /3/ جزء / آ / فرع (أحوال مدنية). – المصنف.

 

تجدد النشاط الاستيطاني

في منطقة (الحزام العربي)

    في الوقت الذي يدعي العهد الجديد أنه مقبل على مكافحة الفساد وتحديث القوانين والإ