(68) في هذا العدد

 

*  العام الجديد بين إرث الماضي ومهام اليوم 2

*  سوريا واليوم العالمي لحقوق الإنسان 4

*  قراءة في قرار القيادة القطرية 6

*  مؤشرات خطيرة في كردستان العراق 12

*  النزعات الكردية-الكردية 14

*  الحركة الكردية ومهام المرحلة 17

*  دفاعاً عن عثمان صبري 19

*  «التجمع» توجه الاتهامات 23

*  هل بدأت أوربا بالتحرك 26

*  بوابة القامشلي –نصيبين 29

*  نحن جيل اليوم (خاطرة) 30

 

العام الجديد

بين إرث الماضي

و مهام اليوم

      مرت أيام السنة الأولى بعد الألفين, ومعها تسللنا إلى العام الجديد دون أن ننتقل مع الزمن, بقينا في موقعنا جاثمين نرفض الانتقال مع خطوات هذه السنين, وخوفا من استحقاقات سيرورة التاريخ, آثرنا البقاء في مجتمع الانتماءات الضيقة منعزلين في خنادق صنعناها لأنفسنا, نختبئ فيها هروبا من مهام توفير مستلزمات البناء والانتقال نحو دولة المؤسسات الوطنية, علما أنه ليس من الصعوبة بمكان القراءة في الأوراق المكشوفة, وخاصة إذا كانت مكتوبة بلغة واقع جلي مليء بالمفارقات والمفردات اللامتكافئة.

    فإلغاء حالة الطوارئ والمشاريع والإجراءات الاستثنائية الخارجية عن القوانين ونظم المجتمع المدني, والحريات الديمقراطية, والإصلاح الاقتصادي والإداري, والتعددية السياسية والحقوق القومية الديمقراطية للشعب الكردي الذي يعد ثاني أكبر قومية في البلاد وتثبيتها دستوريا, واحترام حقوق الإنسان, كانت ومازالت المهام الأساسية الواجب تحقيقها لتوفير مستلزمات الدولة الوطنية الحديثة, وهذه المهام تقع –بالدرجة الأولى- على عاتق القوى الوطنية الديمقراطية السورية المتماثلة بالتنظيمات السياسية والشخصيات والفعاليات الوطنية في البلاد, التي هي مدعوة اليوم –أكثر من أي وقت مضى- للائتلاف والاتفاق على هذه الثوابت الوطنية المشتركة من أجل تحقيق حياة أفضل للمجتمع السوري على مختلف انتماءاته.

    لكن الأنكى من ذلك هو أن حزب البعث الذي يمسك بمقاليد السلطة منذ انقلاب آذار 1963 مازال مصرا –ومنذ ذلك الحين- على أن يعيش في جلباب أبيه (كما يقول المثل)؛ فهذا الحزب يصر على القفز على حدود الدولة السورية, ليصنع لنفسه وطنا كبيرا جدا, أكبر من مقاسات ليأخذ فيه راحته على تركيب الجمل والعبارات الإنشائية الرتيبة, وصياغة شعارات نظرية لا علاقة لها بالواقع, بل متناقضة مع الواقع ومصلحة الشعب السوري, ويرفض هذا الحزب كل أشكال التعددية السياسية, محتكرا لنفسه كامل السلطات التشريعية والتنفيذية بموجب قوائم جاهزة, ويشرك معه في هذه القوائم الهزيلة بعض القوى الشكلية المعزولة عن الجماهير, والتي فقدت مشروعية وجودها كتنظيمات سياسية منذ زمن بعيد.

    لذا نقول, وكرد مباشر على هذا الواقع: آن الأوان أن ننتقل مع الزمن, ونخرج من خنادقنا المنعزلة كقوى وطنية ديمقراطية, بمختلف تياراتنا وانتماءاتنا الفكرية والسياسية, ونسرع الخطى نحو حوار وطني شامل والإسهام معا في وضع الحجر الأساس لبناء الصرح الديمقراطي لهذا البلد, لنحتفل معا في وضع الحجر الأساس لبناء الصرح بكل عام جديد.

وكل عام وأنتم بخير. ¤

 

سوريا

واليوم العالمي لحقوق الإنسان

    في الوقت الذي تحتفل به البشرية باليوم العالمي لحقوق الإنسان, عبر مطالبتها بإضفاء معان أكثر عدالة وإنسانية على مفهوم حقوق الإنسان, نفتقر –نحن العائمون في هامش التاريخ العالمي– في سوريا, إلى أدنى حق من تلك الحقوق, كحقوق أساسية للإنسان التي نودي بها في 10/12/1948, أصبحنا رعايا ومازال يعاد إنتاجنا كقطيع من الرعايا بدل أن نكون مواطنين كاملي الأهلية والحقوق.

    في هذا الوقت بالذات, مازالت السلطة الحاكمة تنظر إلى شعبها على أنه مجرد موضوع لإرادتها ومشاريعها, وإنه غير قادر على تقرير مصيره بنفسه, وهو بحاجة إلى من يرسم له مصيره ومستقبله ويحدد له «الممنوعات» و«المسموحات», ومازال كل فرد من هذا الشعب يخون ويحجز عليه لمجرد أنه يعبر عن رأيه من ذاته بغض النظر إن كان يروق أو لا يروق للسلطة أو يطالب بالبعض منها.

    إن القطيعة التي تعيشها سوريا, مع التطورات والمتغيرات العالمية, همشت فيها دور الدولة, إن لم نقل قد غيبته تماما, وأسست بموازاتها أو بديلا لها مؤسسات وهيئات غير قانونية أو فوق قانونية مبتلعة كل سلطاتها وصلاحيتها, وإن استمرارية هذه القطيعة إلى ما بعد هذا الوقت, الذي تتصدر فيه العولمة كعنوان أبرز لكل التطورات والتغييرات الكونية الحالية والقادمة, قد تغيب الوطن برمته أو تجعله مجرد لاهث وراء تجارب الآخرين في المنطقة.

    إن ما يحز في النفس, إن سوريا كانت من أوائل الدول, في الشرق الأوسط التي أنشئت فيها منظمة لحقوق الإنسان, وفي فترة من تاريخها الحديث أسست للمجتمع المدني الذي استطاع في سيرورة معينة, ومن خلال الأحزاب والجمعيات والصحافة الحرة والنقابات, الانتقال إلى العصر والحداثة, وإن بخطى بطيئة ومتعثرة, وبالرغم من الهشاشة المؤسساتية والدولتية له, إلى أن جرى الانقلاب عليه وتم قطع سيرورته, ولم يستطع هذا الانقلاب أن يؤسس لمؤسسات وبنى بديلة مجسدة للشعارات التي أطلقت لتبريره وإعطاء المشروعية له, وإنما تم استبدال المجتمع بكل بناه بالحزب, وضمن أوالية «الحزب القائد للدولة والمجتمع» تم تغييب وترحيل مؤسسات المجتمع المدني لصالح أجهزة ومؤسسات وهيئات متماهية مع القائمين عليها فأصبح الوطن عبارة عن ملكيات وحيازات شخصية, ويجب أن ينطق كل شيء فيه بما ينطق به الحزب, ومن لا ينطق بما ينطق به الحزب والقائمون عليه, إن كان حجرا أو بشرا, يعد خائنا و«معاديا لأهداف الثورة» يجب اجتثاثه أو الحجز عليه. هذا ناهيك عن الاضطهاد المزدوج الذي يتعرض له الشعب الكردي في سوريا:

   أولا: بحكم مواطنيته السورية وتجريده من كل مفاعيل واستحقاقات هذه المواطنة كسائر أفراد المجتمع السوري وجعله مواطناً غير كامل الأهلية, وغير مرخص له أن يعبر عن ذاته أو أن يقرر مصيره بنفسه.

   ثانيا: بحكم كرديته وحرمانه من أبسط حقوقه القومية وتجريده من كل موروثه القومي والتاريخي والمحاولات المستمرة والممنهجة لصهره وتذويبه وتبعيثه.

   إن  الشعب سوريا, بكل قومياته وأثنياته وفئاته, الذي سطر أروع الملامح في مقاومة الاستعمار والاستبداد وصموده البطولي عبر تاريخه المديد, قادر على مواكبة العصر, وأن يكون نموذجا يقتدى به, لا أن يقتاد بالأحكام العرفية وقانون الطوارئ.

إن المطلوب الآن, وكضرورة لا تحتمل التأجيل هو إعادة الاعتبار للإنسان السوري كمواطن كامل الأهلية واحترام خياراته وحقوقه في سيرورة ديمقراطية حقيقية, والتأسيس لسلطة دولة القانون بدل دولة السلطة, وإلغاء قانون الطوارئ والأحكام العرفية والمحاكم الاستثنائية وجميع القوانين والمراسيم التي لا تنسجم مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان وشرعنة المجتمع المدني وإطلاق الحريات السياسية بكل أبعادها, والاعتراف بالقوميات والاثنيات المتواجدة في سوريا دستورياً على أساس العيش المشترك والشراكة في الوطن كحق من حقوق الإنسان. ¤

 

قراءة في قرار القيادة القطرية

حول تفعيل دور أحزاب الجبهة

    اعتبر بعض المراقبين قرار القيادة القطرية لحزب البعث العربي الاشتراكي في        29/11/2000 بالسماح لأحزاب الجبهة بإصدار صحف خاصة بها وافتتاح مقرات لأحزابها بشكل علني, بأنه إنجاز كبير وانفتاح سياسي هام على الحياة السياسية في سوريا ومدخلاً مهماً لإصدار المزيد من القرارات المتعلقة بتفعيل دور الجبهة وتوسيعها وتطويرها..الخ, وقد صفقت لهذا القرار الصحف الرسمية ونشرات أحزاب الجبهة. لكن قراءة هادئة لماهية وجوهر القرار تخرجنا بانطباع سلبي لعدة اعتبارات, منها:

·إن الجبهة الوطنية التقدمية قائمة بين هذه الأحزاب وحزب البعث منذ عام 1972 ومعترف بها منذ عام 1973, ومع ذلك لم يسمح لها الشريك الرئيسي في الحكم بممارسة حقها الدستوري طيلة 27 عاماً, وهذا, بحد ذاته, يعتبر انتقاصاً واستلاباً لهذا الحق طوال هذه الفترة دون وجه حق, ومن المؤسف أن هذه الأحزاب ارتضت لنفسها قبول هذا الوضع غير القانوني, وبالتالي فقدت الكثير الكثير من مصداقيتها وقدرتها على الحركة بين أوساط الجماهير, وانتابها الضعف والترهل والانشقاقات نتيجة تحملها من الوجهة القانونية لكل الأخطاء التي ارتكبتها السلطة طوال هذه الفترة, كونها الشريك الدستوري في مؤسسات الدولة /التشريعية منه والتنفيذية/ دون أن يكون لرأيها صدى فاعل ومؤثر على القرار السياسي, إضافة إلى اعتمادها سياسات تنسجم تماماً مع سياسة حزب البعث, سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي, بإملاء أو إيحاء من حزب البعث, أي بمعنى أوضح فقدت الكثير من استقلالية قرارها السياسي للحفاظ على وجودها في الجبهة تأميناً لبعض المكاسب الحزبية أو الشخصية الضيقة والثانوية, دون أن ينعكس ذلك على برامجها وطروحاتها تجاه الحياة العامة لجماهيرها, مما دفع بهذه الجماهير إلى الابتعاد عنها, وبالتالي تحولت إلى أحزاب هامشية ضعيفة لا تملك القدرة على تفعيل الحياة السياسية في سوريا بقرار تأخر /27/ عاماً. ومن هذه الزاوية نستطيع القول بأن هذا القرار يعتبر نوعاً من الالتفاف الذكي على مطالب الجماهير الملحة والتي تدعو إلى إفساح المجال أمام القوى السياسية السورية للتعبير عن آرائها بحرية, والمشاركة في الحياة السياسية السورية للتعبير عن آرائها بحرية, والمشاركة في الحياة السياسية دون وصاية من أحد وبما يخدم مصلحة الشعب السوري عامة وعلى قاعدة المساواة أمام القانون.

·إن القرار صادر من حزب سياسي يمنح هذا الحق لأحزاب سياسية أخرى بممارسة نشاطها السياسي بحرية دون أن يصدر من السلطة التشريعية, وهذا ما يترتب على مثل هذه الحالات استنتاجين:

الأول: لا يترتب على هذا القرار أية تبعية قانونية مرافقة لها, وبالتالي لا تملك صفة الالتزام القانوني كما يفترض أو كما يجب أن يكون. وعلى هذا الأساس فإن تنفيذ هذا القرار أو توسيع مجاله وتضييقه أو إلغاء مرهون بسياسة القيادة القطرية في هذا المجال إضافة إلى أن مثل هذه القرارات في مثل هذه الحالات تأخذ صفة المنحة أو العطاء, وهذا بحد ذاته انتقاص آخر يمارسه حزب البعث عليهم وهم يصفقون.

الثاني: إن حزب البعث ينطلق من خلال إصدار هذا القرار من الذهنية السابقة التي تقوم على احتكار الحياة السياسية (حزب البعث يقود الدولة والمجتمع. /المادة الثامنة من الدستور), ومن ثم حق إعطاء أو منح صكوك الشرعية للأحزاب السياسية بممارسة نشاطها وكأن هذه الأحزاب منظمات رديفة له أو تابعة.

    ومن المفارقة الغريبة أن أحزاب الجبهة تقبل على نفسها هذا الوضع حتى الآن, كما أن هناك أحزابا أخرى تبحث لنفسها لتمثل هذا الدور القزم أملا في الحصول على صك شرعي من حزب البعث للممارسة نشاطها دون طلب ذلك من المؤسسات الدستورية المعنية بذلك, وهذا ما يقودنا إلى الاستنتاج إن حزب البعث لا يفكر بإحياء وتفعيل الحياة الديمقراطية في سوريا وفق قوانين صادرة من المؤسسات الدستورية, ومن ثم إعادة النظر في كل السياسات التي من شأنها فرض الهيمنة والقرار الحزبي على الأحزاب الأخرى انسجاما وتوافقا مع التطورات الديمقراطية التي تواكب المجتمع الدولي منذ نهاية الثمانينات من القرن المنصرم وحتى الآن.

·                     إن منح صكوك الشرعية السياسية من قبل حزب البعث للبعض بممارسة نشاطه السياسي وحجب هذا الحق عن البعض الآخر وغض النظر هناك وحسب معيار ودرجة مسايرته لسياسة حزب البعث أو رفضها أو نقدها يقسم المجتمع إلى فئات متباينة ينسحب بتبعاته السلبية إلى مفهوم وطنية المواطن في الإطار العام, فالأحزاب التي تحظى برضى حزب البعث تعتبر أحزابا وطنية أو على أقل تقدير أكثر وطنية وتخدم الوطن بإخلاص, أما الأحزاب الأخرى التي على خلاف مع حزب البعث فهي أحزاب تقع ضمن دائرة الشك في ولائها الوطني, وبالتالي تتعرض إلى تقييمات وتصنيفات شتى (سلبي, معادي, خطر على أمن الدولة...) ويتطلب الأمر وفق هذا المنطق ممارسة الكثير من الرقابة الأمنية بحيث تتعدى هذه الرقابة الدائرة الحزبية إلى دائرة الأشخاص والمواطنين العاديين وتصنيفهم ومن ثم حرمان الكثيرين منهم خاصة الذي لا يحظون بالموافقة السياسية والأمنية من حق العمل والتوظيف وتبوء المناصب الحساسة في الدولة وإدارة المؤسسات الحكومية. وهذا ما يمكن أن نلمسه من خلال أخذ عينة من الأشخاص الذين يديرون مؤسسات الدولة ولن نفاجأ إذا بلغت النسبة 99% أو أكثر من هؤلاء إما أعضاء في حزب البعث أو موالين جدا جدا لسياسته. نستنتج هنا أن الآخرين مشكوك في ولائهم الوطني أكثر من تشككهم في كفاءاتهم لأن الواقع يؤكد بأن الكثير من الكفاءات الهامة بقيت ولا تزال خارج دائرة الاهتمام الحكومي لا لشيء سوى أنهم يصنفون خارج دائرة الولاء لسياسة حزب البعث فقط.

   إن هذا الاستنثار بالقرار الوطني والسياسي من قبل حزب البعث منذ أربعة عقود وحتى الآن أدى إلى انقسام المجتمع السوري سياسياً, وبالتالي خلق الكثير من التعقيدات السياسية وصلت في مراحل معينة إلى حد التناحر واستخدام القمع والسجون كحل لهذه المشاكل. ولا يبدو في الأفق بأن حزب البعث يحاول التخلص من هذه الذهنية التسلطية كما هو مأمول, وظهر جلياً من خلال قرار القيادة القطرية بمنح بعض صكوك الشرعية وترك البعض الآخر ينتظر الدور وعدم التعامل مع البعض الآخر بشكل قاطع (الحركة الكردية وغيرها), هذا يعني أن التغيير المنشود هو تغيير في الشكل دون أن يطال المضمون والجوهر في الممارسة العملية كما يجب أن يكون.

·                     إن مصطلح ومفهوم الجبهات الوطنية ظهر في الغرب أثناء الحرب العالمية عندما احتل النازيون الألمان الكثير من الدول الأوربية, وعلى إثر هذا الاحتلال انقسم المجتمع إلى شريحة موالية لسلطة الاحتلال تنفذ سياستها وشريحة رافضة لهذا الاحتلال واختارت طريق المقاومة المسلحة لطرد المحتل, وتطلبت الحالة هذه تضافر كل الجهود وتوحيدها في جبهة موحدة لتتمكن من مقاومة الاحتلال الأجنبي, وفعلاً تشكلت جبهات مقاومة تضم كافة الشرائح الاجتماعية المقاومة للاحتلال, لكن وبعد انتهاء الحرب وتقسيم مناطق النفوذ في أوربا بين الكتلتين الشرقية والغربية أبقت الدول التي ارتبطت عملياً بسياسة الاتحاد السوفيتي على هيكلية جبهاتها من الناحية الشكلية كنوع من الوفاء أثناء العمل في الخندق النضالي الواحد, أما عملياً فقد استأثرت الأحزاب الشيوعية الموالية لموسكو بالحكم, وهكذا استمرت في الحكم قرابة نصف قرن كجبهات سياسية حاكمة شكلاً لا أكثر, أما مضموناً وعملياً فكانت الأحزاب الشيوعية هي الحاكمة, وما مشاركة هؤلاء إلا عمليات ديكورية لا أكثر لتجميل واجهة الحزب الواحدة المستأثر بالحكم بصورة مطلقة.

   أما في سوريا فالوضع كان مختلفا تماما عند تشكيل الجبهة 1972, حيث لم يكن هناك احتلال أجنبي لسوريا من قبل أحد باستثناء احتلال الجولان من قبل إسرائيل, وهذا يعني أن مؤسسات الدول وجيشها لم يرضخ للاحتلال كما لم يوجد مواطن في سوريا أيد أو تعامل مع المحتل بغرض الترويج لسياسته, بل على العكس من ذلك, فقد وقف الشعب السوري صفا واحدا بوجه المحتل ورفض الاحتلال ووقف خلف جيشه في مقاومة المحتل, ولقد كانت حرب تشرين 1973 تعبيرا صادقا عن رفض الشعب كله للاحتلال.

    إذا, الموضوع كان مختلفاً تماماً رغم الاستعارة الحرفية لأسس الجبهة وصلاحياتها من تلك القائمة في أوربا الشرقية, وبدا واضحاً مع مرور الزمن بأن الغاية الأساسية منه هي استفراد حزب البعث في الحكم كقوة أساسية حقيقية لقيادة الدولة والمجتمع واستخدام بعض الأحزاب التي ترغب بقبول هذا الوضع كواجهة تعبير شكلية عن التعددية السياسية في إدارة الدولة, وعلى الرغم من أن هذه السياسة كانت سائدة ولها مَنْ يبررها في السبعينات والثمانينات من القرن المنصرم كشكل من أشكال الحكم الشمولي تمارس في عدد من الدول تحت يافطة حماية النظم الاشتراكية من القوى الرجعية الرأسمالية, إلا أنها فشلت عملياً منذ بداية السبعينات في كافة هذه الدول, إلا أن حزب البعث ما يزال يمارسها, لكن بإضافة بعض الرتوش إليها تحت مقولات التطوير والتوسيع, وتفعيل الحياة السياسية العامة في سوريا بغية الحفاظ على مواقعها وامتيازاتها السابقة من جهة والوقوف في وجه التيار الديمقراطي الحقيقي المتصاعد من جهة ثانية, وعدم قدرتها على القبول بالتعددية السياسية الحقيقية (نتيجة سيطرتها على السلطة فترة طويلة من الزمن) انسجاماً مع التطورات الديمقراطية التي تعصف بالعالم اليوم.

   ومن هنا جاء قرار القيادة القطرية لا ليعالج المشكلة بل ليزيدها تعقيداً, وكان الأجدر بها أن تقف بجرأة على جوهر المسألة الديمقراطية في سوريا وذلك من خلال العمل على إصدار قانون للأحزاب يشمل كلفة شرائح المجتمع السوري القومية منها والديمقراطية من مجلس الشعب وإلغاء الأحكام وإطلاق العنان لحرية التعبير والصحافة والرأي لما فيه خدمة الشعب السوري بأسره على قاعدة المساواة التامة في الحقوق والواجبات بدلاً من هدر الوقت والجهد في إصدار القرارات التي لا تغير من الواقع شيئاً. ¤

 

مؤشرات خطيرة في كردستان العراق

تدعو إلى وحدة الصف الكردي

    أكدت المصادر المطلعة في كردستان العراق, أن الجيش العراقي تقدم في بعض مناطق كردستان, وأن القوات العراقية احتلت خلال الأيام الأولى من شهر كانون الأول بعض المرتفعات الاستراتيجية, وقالت هذه المصادر –بما فيها مصادر الحزب الديمقراطي الكردستاني- إن وحدات من الجيش العراقي قوامها لواء مشاة وفوجان, تقدمت صباح السبت, التاسع من كانون الأول نحو مركز ناحية /باعذرى/ التابعة لمحافظة دهوك, استولت على المرتفعات المحيطة بالبلدة.

   وأكد الحزب الديمقراطي الكردستاني من جهته «على خيار الحل السلمي العادل للقضية الكردية, أما محاولات العودة إلى المنطقة بالقوة فهي مرفوضة كلياً وستؤدي إلى كوارث جديدة للشعب العراقي برمته».

   تأتي هذه التطورات الأخيرة في ظروف مناخية جديدة بخصوص الملف العراقي على الصعيد الدولي, فما أن حطت بعض الطائرات على أرض مطار بغداد الدولي حتى فكر النظام في بغداد على أنها الخطوة الأولى في طريق رفع الحصار الدولي عنه, وبدأ مباشرة بالتفكير في مرحلة ما بعد فك الحصار..

    المهام الأساسية الأولى لهذا النظام هو –كما يرى- إعادة السيطرة على كردستان بالقوة, والنظام العراقي في حقيقة الأمر إذا سنحت له الفرصة المناسبة أو سمحت له الظروف أو المستجدات الدولية, فلن يتردد في احتلال كردستان, بل وقمع شعب كردستان, فهو بكل المقاييس الأخلاقية والسياسية والعسكرية, لا يحتاج إلى تعريف, والقوى السياسية العاملة على ساحة كردستان, وخاصة الاتحاد الوطني الكردستاني, والحزب الديمقراطي الكردستاني لا يحتاجان إلى فهم طبيعة هذا النظام الدموي من جديد.

   لكن ماذا لو سارت الأمور باتجاه رفع الحصار عن النظام العراقي فعلا, فهل على الشعب الكردي أن ينتظر عمليات أنفال جديدة , أم على المدن الكردية أن تنتظر الاستشهاد على طريقة حلبجه, ولا نعتقد أن النظام في بغداد سيتردد على إجراء أي عمل إجرامي من هذا القبيل.

   لكن ألا تكفي هذه المؤشرات لأن تكون أسبابا قوية في تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة والعودة إلى حالة الوفاق الوطني الكردستاني على قاعدة حشد كل الطاقات السياسية والثقافية والعسكرية و... وتوفير القوة الكافية واللازمة لحماية مكتسبات الشعب الكردي ومؤسساته الوطنية في الإقليم.

    من هنا نناشد كافة القوى والفعاليات الوطنية الكردستانية –خاصة الحزبين الرئيسين: الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني- لأن تكون على مستوى المسؤولية التاريخية لمضاعفات ونتائج الأحداث المصيرية في حياة شعب كردستان. ¤

 

النزاعات الكردية.. الكردية

هل تحركها الأسباب الداخلية

أم هي حروب إقليمية يخوضها الأكراد بالوكالة

     بموازاة التطورات الإيجابية التي تشهدها القضية الكردية على المستويين الإقليمي والعالمي والتي أصبحت على تخوم الحل في أكثر من جزء من كردستان, نجد النزعات والخصومات الكردية تزداد تأججا وضراوة, وليس ثمة بوادر لانتهائها في القريب العاجل. فخلال السنوات الثماني الماضية فقط شهدنا المزيد من الجبهات الساخنة وجولات القتال بين الأطراف الكردية المختلفة التي تتبادل الموقع والأدوار؛ بدأت بالنزاع الدموي بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1994 بعد فترة قصيرة من تشكيل الإدارة الكردية المشتركة بين الحزبين, ومن ثم بين الحزب الديمقراطي الكردستاني وحزب العمال الكردستاني الذي استمر لبضع سنوات, وأخيراً بين الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني, حيث أريقت دماء مئات الشباب الكرد هباء في نزاع كارثي ليس لهم فيها ناقة ولا جمل؛ نزاع تحركه للأسف دوافع مرضية زعامات ارتضت لنفسها, ومن منطلق حسابات حزبية جداً رخيصة, أن تصبح أدوات طيعة في لعبة إقليمية أقل ما يمكن أن يقال فيها أنها غير نظيفة, يخطط لها لاعبون إقليميون هدفهم هدر الطاقات الكردية ومصادرة أي إنجاز لو قيد للشعب الكردي تحقيقه في خضم التطورات العالمية الراهنة التي يزداد فيها ميل المجتمع الدولي نحو احترام حقوق الإنسان أفرادا أو شعوبا.

   وأيا كانت المبررات التي يقدمها طرفا النزاع لتسويغ مظلوميتها, تبقى هذه المبررات موضع سخرية واستهزاء من لدن المتابعين والمهتمين بالشأن الكردي, لأن أوراق اللعبة باتت أكثر من مكشوفة ولا تتعدى هذه النزعات كونها شكل من أشكال الحرب بالوكالة يخوضها الأكراد بالوكالة بالنيابة عن الدول الإقليمية, تتأسس على تلك العلاقات غير المتوازنة التي تقيمها هذه القوى الكردية مع المحيط الإقليمي الذي يمارس الاضطهاد والعداء ضد الشعب الكردي والقضية الكردية. وإلا ما الذي يجعل الاتحاد الوطني الكردستاني وحزب العمال الكردستاني, اللذين كانا حتى الأمس القريب متحالفين يصبحا بين ليلة وأخرى أعداء وأية عداوة عندما تصل الأمور إلى حد إراقة الدماء طالما لم يتغير شيء في المعادلة الداخلية لهذه الأطراف.

     وإذا كان الاتحاد الوطني الكردستاني يتذرع بتواجد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في مناطقه وبالتجاوزات التي يرتكبونها بين الحين والآخر هنا وهناك فإن هذا التواجد ليس حديث العهد ولم يحدث بالضد من إرادة الاتحاد الوطني الكردستاني على حد علمنا, بل حدثت بإرادة ورغبة الاتحاد الوطني الكردستاني على حد علمنا, بل حدثت بإرادة ورغبة الاتحاد الوطني, وهذا يعني أن الذي تغير هو التحالفات الإقليمية لطرفي النزاع, وبالتحديد التحسن الحاصل في علاقات الاتحاد الوطني الكردستاني مع تركيا. وهذا يعني أن تحالف الأمس بين الطرفين المتقاتلين لم تكن تفرضه ضرورات الدعم والمساندة المتبادلة للارتقاء بالنضال الكردي, وإنما فرضه تلاقي خطوط التحالفات الإقليمية للطرفين, وفرضته كذلك ضرورات الاستقواء في مواجهة الخصم الكردي الآخر المختلف في خط تحالفه الإقليمي وهو الحزب الديمقراطي الكردستاني, ولا نقول هذا الأمر بقصد الاتهام الجزاف والعشوائي بقصد الإساءة, بل هي حقيقة يطلقها طرفا النزاع أنفسهم.

   فها هو حزب العمال الكردستاني يتهم الاتحاد الوطني الكردستاني بالتعاون مع الحكومة التركية لإنهاء وجوده العسكري, وهذا الاتهام مصيب؛ فقبل شهور قليلة وقع وفد قيادي من الاتحاد الوطني اتفاقا أمنيا مع الحكومة التركية تناقلت وسائل الإعلام بعض بنودها حيث يلتزم الاتحاد الوطني بموجب هذه البنود المعلنة بحماية حدود مناطق نفوذه من تسلل مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى مناطق سيطرته, وهو الذي كان يستضيفهم قبل ذلك وبمحض إرادته, وكان يرفض تطبيق أحد بنود اتفاقية واشنطن بخصوص تواجد مقاتلي حزب العمال في كردستان العراق. وكان هذا الرفض فيما مضى أحد العراقيل الرئيسة أمام تنفيذ اتفاق واشنطن حسبما كان يذاع.

     والاتحاد الوطني بدوره يتهم حزب العمال بتلقي معونات وأسلحة من النظام العراقي بهدف إضعاف حزبه وضرب التجربة الكردية. ونعتقد أن هذا الاتهام هو الآخر في محله؛ لأن حزب العمال الكردستاني لم تكن لديه يوماً خطوط حمراء أو محرمات بشأن التعامل مع الحكومات والأنظمة الإقليمية, ولم يوفر وسيلة في هذا المضمار. وخدمة لعلاقاته الإقليمية لم يتوان عن مجاهرته بالعداء لجميع الأطراف الكردية في كافة أجزاء كردستان, فقاتل بعضهم وأظهر عداء خاصا للتجربة الكردية في كردستان العراق, ولم يتردد زعيمه عبد الله أوجلان عن وصف هذه التجربة وأكثر من مرة «بالخنجر في الخاصرة العربية والإيرانية» وكذلك «التركية» بعد اعتقاله. ولم يتردد عن القول بأن مقاتليه موجودون في كردستان العراق لضرب وتقويض التجربة التي كان يخشى أن تتحول إلى دولة تهدد الجوار العربي والإيراني وأخيراً التركي, وقال أثناء محاكمته بأن إعدامه سيؤدي إلى نشوء مثل هذه الدولة. وهذا يؤكد أنه ذهب في اللعبة الإقليمية أبعد بكثير مما ذهب إليه الآخرون.

   لهذا نعتقد أن صولات وجولات القتال الكردي – الكردي في الأمس واليوم لا