في هذا العدد(67)

 

*   الحوار الكردي – العربي في سوريا 2

*   دعوة إلى الحوار مع الديمقراطيين العرب 5

*   إلغاء مداخلة رياض سيف في مجلس الشعب  8

*   القضايا العادلة لا تموت بالتقادم 11

*   القمة الإسلامية ومعايير القرارات 14

*   التعايش المشترك بين الكرد والعرب  16

*   عام 2001 مؤتمر دولي حول القضية الكردية 20

*   ذكرى استشهاد كمال أحمد وشيخموس يوسف 21 

*   حول مرسوم العفو... واعتقالات جديدة 23 

*   إحياء ذكرى حريق سينما عامودا 24

*   تراخيص الآبار وشهية الارتشاء المفتوحة 25

*   فضيحة مالية في مصرف القحطانية 27

 

الحوار العربي الكردي في سوريا

الضرورة.. والمعوقات

    ليس ثمة خلاف بين النخب السياسية الكردية في سوريا حول ضرورة وأهمية الحوار الكردي ـ العربي في القضية الكردية, وليس ثمة أي خلاف أيضا حول اعتبار القضية الكردية قضية وطنية سورية, بطبيعتها ومشاريع حلها تستوجب تفاهما عربياً كردياً على صيغة الحل بعيدا عن الإكراه وفرض الحلول من جانب واحد, ولذلك كانت القوى الكردية بمختلف تياراتيها الفكرية والسياسية تواقة باستمرار لأن يكون حل هذه القضية حلا عربيا سوريا خالصا.

    ومن هذا المنطلق ابتعدت الحركة الكردية من اللجوء إلى الخيارات البديلة والتي لم تكن تعدم أن تجد من يشجعها على ذلك لو أرادت البحث عن تلك الخيارات, ورهانها على الحل الوطني كان ولا يزال نابعاً عن إيمانها بأن ما يجمع العرب و الأكراد هو أكثر من تلك العلاقات والروابط التي تأسست عبر مراحل بارزة من التاريخ القريب والبعيد أو المصالح والمصير الذي تقرر في ظل معطيات سياسية دولية معينة, ولا نقول ذلك تزلفاً أو معالاة لأحد, لأن الذي يجمع الشعبين يرقى حقيقية إلى مستوى الاخوة التاريخية ويدركها الكثير من الاخوة العرب, ولخصتها الحركة السياسية الكردية في شعار عميق الفهم والمعنى هو شعار: الأخوة العربية -الكردية.

     لكن الذي يحدث -للأسف– لا يساعد بأي حال من الأحوال هذا الموقف الكردي؛ فثمة إساءة بالغة للشعب الكردي, وثمة بوادر رد فعل كردي قد يجعله يأسف يوماً ما على تلك المواقف ويجعل من أفق الحوار الكردي -العربي مسدودا إذا لم يتم تداركه, وتتحمل مسؤوليته بالدرجة الأساس السلطات المتعاقبة على دست الحكم في سوريا والتي اعتبرت الشعب الكردي دخيلا على البلاد, وعاملته معاملة خاصة مشبعة بالظلم والإجحاف والتعسف والتميز, انطلاقاً من نزوع شوفيني عنصري, مبني على أساس قومي عروبي مشوه, اعتبر الشعب السوري كله عربياً خالصاً دون أي التفات لمشاعر السوريين ممن هم من غير العرب -أكراداً كانوا أم أشوريين أم أرمن أو من هم سواهم من ألوان الفسيفساء القومي في سوريا -حتى أصبح هذا النزوع منذ بداية الستينات حتى اليوم سياسة رسمية ممنهجة تعرب كل شيء فوق الأرض كائناً كان أو جماداً, وكل ما يشير إلى غير العروبة, الأمر الذي ترك جروحا ًتتعمق وتتسع مع استمرار إصرار السلطة على تلك السياسة متجاهلة خطورتها على مستقبل البلاد ومستقبل تعايش الشعبين الكردي والعربي والأقليات القومية وتمسكها بمنطق معالجة القضية الكردية وغيرها من القضايا بالإكراه والإنكار, الأمر الذي يشكل سبباً مباشراً ورئيسيا لغياب أي نوع من أنواع الحوار الكردي -العربي المنظم والممنهج, وخاصة إن النظام لا يسمح حتى الآن لأي رأي عربي مغاير لرأيه بالتعبير عن نفسه وعن موقفه بصورة حرة عن واقع الشعب الكردي والقضية الكردية في البلاد, وبالتالي تكاد لا تترك أي فرصة لإرساء أسس حوار عربي كردي ناشط وناجح يؤدي إلى تفاعل وتقارب وجهات النظر وصولا لفهم وتصور مشترك لحل هذه القضية كإحدى القضايا المزمنة التي لن تتحمل المزيد من التأجيل والتسويف, خاصة وإن القضية الكردية أصبحت -على المستوى الإقليمي -قضية متفجرة وموضوعاً رئيسياً في المساومات والصراعات الدولية.

    ومن جانبها أيضا غالبية الفعاليات العربية السورية -الفكرية والثقافية والسياسية -لسبب أو لآخر, لم تعطي حتى الآن موقفاً مغايراً للسياسة الرسمية بشأن هذه القضية, وتكاد تكون منسجمة إلى حد بعيد مع موقف السلطة, ولا تكلف نفسها عناء البحث عن الحقائق التي تتعلق بملف هذه القضية, الأمر الذي يشكل معوقاً إضافياً من معوقات هذا الحوار.

   ولكن إذا كنا نحمل الجانب الآخر بصورة أساسية مسؤولية غياب فرص الحوار العربي الكردي, وحتى نكون موضوعيين, ينبغي ألا يعفينا هذا, نحن النخب السياسية الكردية, من تحمل قسطنا أيضا من المسؤولية حين تذرعنا بعدم إمكانية التأسيس لهذا الحوار في ظل سيطرة النظام على مجمل الفعاليات السياسية والفكرية والثقافية وغيرها, أو عندما اعتبرنا أن هذه الفعاليات تمثل بشكل أو بأخر, نزوع السلطة وسياساتها, وبالتالي تقاعسنا عن البحث عن أية إمكانية للتأسيس لهذا الحوار في هذا الوطن الفسيح أو عن أي مستوى من مستويات الحوار, مهما كان متواضعا, رغم أن السلطة السورية كانت باستمرار ساحة غنية, ولم تخل في أي وقت من الأوقات من الأصوات الديمقراطية النبيلة التي لم تتردد عن قول, كلمة السواء في القضية الكردية وضرورة حلها حلاً وطنياً عادلاً ينصف الشعب الكردي دون أن يكون ثمة تواصل بيننا وبينها, بل أكثر من ذلك فقد تحولت القضية الكردية لدى العديد من الأخوة العرب إلى مستوى قضاياهم الأساسية التزموا بطرحها والدفاع عنها, لذلك ينبغي أن نعترف بقصورنا وتحملنا جانبا من المسؤولية نتيجة  قراءة خاطئة للمشهد السياسي العام في البلاد.

    وبالنظر إلى هذا المشهد غير المشجع, والمعوقات الكبيرة أمام الحوار العربي الكردي, علينا أن نعترف أن اللوحة ليست سوداوية تماماً, وأن أفقاً سيفتح لو امتلكنا -نحن النخب السياسية الكردية- عزيمة المبادرة بإتجاه الفعاليات العربية في البلاد, وخاصة غير الرسمية التي لابد أن تكون لها كلمتها في الغد القريب إذا كنا لازلنا لا نعول كثيراً على السلطة واستعدادها لمثل هذا الحوار, طالما نؤمن بأن السبيل الصحيح لحل قضيتنا هو أن نجعلها موضوعا لحوار وطني عربي-كردي على أوسع نطاق وعلى مختلف المستويات, وعلينا أن نبدأ.... ¤

 

دعوة إلى الحوار

مع الديمقراطيين العرب

     تجري محاولات -وإن لم تتضح ملامحها جيداً بعد- لتشكيل وعي ديمقراطي عربي في سوريا على واقع التطورات العالمية المتسارعة وانعكاساتها محلياً، والأزمات المستعصية للنظام؛ الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وقد بدأت ترفد هذه المحاولات بالمزيد من الطاقات والكفاءات والعقول النيرة، التي كانت مغيبة حتى الآن. وتنطلق هذه المحاولات من الإيمان باليبرالية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، وتدعو إلى إقامة نظام حكم ديمقراطي قائم على تناوب السلطة وكسر نظام الحزب الواحد "القائد للدولة والمجتمع", الذي تجاوزه التاريخ منذ أمد طويل. كما تدعو إلى إلغاء الأحكام العرفية وقانون الطوارئ وما يتفرع عنهما من قوانين ومحاكم استثنائية جعلت من السياسة وممارستها خارج إطار حزب البعث الحاكم وأحزابه الديكورية غير محمودة النتائج والعواقب. إن هذه المحاولات التي تدعو لتأسيس وعي ديمقراطي يؤمن بالتعددية، ويدعو إلى احترامها والقوننة لها، لا تخالها تغض النظر عن التعددية الثقافية والقومية والحضارية لسوريا، وأن الاعتراف بهذه التعددية لا يقل أهمية عن التعددية السياسية, والاقتصادية، وأن لا معنى للتعددية الأخيرة دون الاعتراف بالتعددية القومية والثقافية والحضارية.

    إن التنكر لحقيقة كون سوريا بلداً للحضارات والقوميات والثقافات المتعايشة والمتألفة، والإبقاء على النظرة الضيقة لسوريا كبلد للعرب فقط أومن يريد أن يعرب، يشوهان الوعي الديمقراطي. فالوعي الديمقراطي الحقيقي لا يقفز على الواقع السياسي والتاريخي، ولا يسعى إلى تغير المكونات الأساسية لهذا الواقع لصالح فئة أو قومية أو طبقية معينة، بل يناط به التصدي لكل ما فرض على الوطن والمواطن من إجراءات وقوانين وأعباء، وتصحيحها بما ينسجم مع الواقع التاريخي والحضاري للوطن، وبما يخدم الطموح الديمقراطي الحقيقي. إن التنكر لوجود الشعب الكردي الذي ينوف تعداده على المليونين، واتباع سياسات شوفينية استيطانية بحقه، يمثل تشويهاً ونقيصة للوعي القومي العربي الذي طالما تفاخر بأنه وعي تحرري معاد للاستعمار، ويقف مع الشعوب المضطهدة ضد الظلم والعبودية، فإذا به يمعن في اضطهاد الشعب الكردي ويحرمه من كافة حقوقه القومية والديمقراطية والإنسانية، ويساهم في تعميق هذا الاضطهاد وإضافة فصول متجددة إليه؛ فتيار الوعي الديمقراطي العربي مطالب بمعارضة الظلم الذي لحق بالشعب الكردي من جراء سياسات التيار القومي العربي الممنهجة، وهو مطالب أيضا بالبحث عن أفضل السبل لحل القضية الكردية في الجزء الكردستاني الملحق بسوريا حلاً سلمياً على أرضية القناعة التامة بأن للشعب الكردي حق مشروع تاريخياً وقومياً وسياسياً، ولابد أن يحصل عليه، طال الزمن أو قصر، بدلاً من ترك الأمور بيد الشوفينيين والعنصريين ليمعنوا في قطع الأواصر التاريخية والمصيرية بين الشعبين الكردي والعربي في سوريا. إن حزب البعث كحزب حاكم وصاحب امتياز للجبهة الوطنية التقدمية، وأحزابها لا يمتلكون أي برنامج لحل القضية الكردية، مع الأسف، كغيرها من قضايا الوطن،بل ربما يمتلكون برامج لتذويب الشعب الكردي في دوامة العروب والضرب بعرض الحائط كون هؤلاء الأكراد شعب متميز عن العرب، لهم لغتهم وثقافتهم وتاريخهم وامتدادهم الجغرافي على أرض تاريخية يعيشون عليها.

   إن المنطق الديمقراطي والإنساني يجعل من الخطأ الفادح القفز فوق قضية شعب والتضحية بها أو تأجيلها إلى ما بعد حل القضايا الاقتصادية، وانتظار نتائج التغيرات الديمقراطية والسياسية المتوقعة. فقد أثبتت التجارب العالمية القريبة أن الديمقراطية لا تحل أوتوماتيكياً قضايا الشعوب والأقليات المضطهدة؛ فالحكم الديمقراطي الجديد في يوغوسلافيا لم يستطع أن ينظر بارتياح إلى الأنتخابات الأخيرة التي جرة في كوسوفو، ولم يتعامل الحكم الديمقراطي في إندونيسيا بنزاهة مع قضية تيمور الشرقية رغم اعترافه باستقلال التيمور تحت الضغط الدولي، علماً أن هذه النماذج الديمقراطية تبدو متقدمة على أية نماذج ديمقراطية مأمولة قد تتمخض عن التغيرات المحتملة في البلد.

    إن قضية الشعب الكردي تعني كل أبناء الوطن كما تعنيهم قضية الديمقراطية وحل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية المتراكمة منذ اكثر من ثلاثين عاماً، لذا فإن كل التعابير السياسية للشعب الكردي مدعوة إلى بدء حوار جاد مع الديمقراطيين العرب الذين بدؤوا بمحاولة تشكيل تيار سياسي واعد للوصول معاً إلى إيجاد برامج بديلة لبرامج الشوفينيين والأنظمة المتعاقبة التي أثبتت الحياة فشلها الذريع في النهوض بأعباء الوطن والاستجابة لكل اوجه معاناة الشعب، وفتح ملف القضية الكردية في سوريا كغيرها من قضايا الوطن، والعمل معاً من أجل عدم تهميش أو تأجيل أية قضية، وإيجاد أفضل الحلول لها في أجواء من الديمقراطية الحقة والشفافية اليانعة في بلد يكون حقاً بلداً للحضارات. ¤

 

لأنه قال كلاما صريحا

قرر المهيمنون على مجلس الشعب

إلغاء مداخلة السيد رياض سيف

     ورد في العدد 11333 تاريخ 18/11/2000 من جريدة "الثورة" السورية، وفي الصفحة الثانية التي نشرة لقطات من مناقشات مجلس الشعب، ما يلي:

«شطب مداخلة السيد رياض سيف حول الموازنة من الجلسة بعد اعتراض عدد من أعضاء المجلس على الأفكار التي وردت فيها والتي اعتبرت خروجا عن موضوع المناقشة؛ وعقب السيد رئيس مجلس الوزراء على مداخلة السيد رياض سيف. ولقد شكر السيد سيف ومتمنياً عليه إعادة صياغة مداخلتة من جديد، وقد قال السيد رياض سيف في مداخلته أن الشفافية لابد أن تبدأ من تفعيل مجلس الشعب ليأخذ دوره الكامل في محاسبة ومراقبة السلطة التنفيذية».

    هذا ما ورد حرفياً في جريدة الثورة.

    وكانت هيئة الإذاعة البريطانية قد أجرت مقابلة في الآونة الأخيرة مع عضو مجلس الشعب السوري السيد رياض سيف استفسرت منه عن تصريحاته في المجلس حول الإصلاح الاقتصادي والسياسي، فأجاب السيد سيف بأنه قال بأن الإصلاح الاقتصادي جرى بشكل جزئي، أما الجوهر فمازال على حاله، وأنه لتهيئة الأجواء لإصلاحات اقتصادية حقيقية ينبغي إجراء إصلاحات سياسية، بمعنى أن لا تظل الساحة السياسية في البلاد حكراً على حزب واحد، بل ينبغي فسح المجال أمام تعددية حزبية سياسية حقيقية. فسأله مندوب الإذاعة: هل تقصد بالطرف المحتكر حزب البعث ؟ فأجاب بنعم.

   وهكذا يبدو أن المهيمنين على مجلس الشعب غير معتادين على قبول الرأي الأخر، لاسيما إذا كان هذا الرأي يتحدث صراحة عن السلبيات والأخطاء الكبيرة، ويشير إلى حزب البعث بالذات الذي يحتكر الساحة السياسية، وجعل من نفسه قائدا للدولة والمجتمع دون أخذ رأي المجتمع السوري في استفتاء أو انتخاب حر نزيه، وذلك منذ سبعة وثلاثين عاماً.

    إن السيد رياض سيف تكلم بصراحة تامة، ورأى أن الإصلاح الاقتصادي يجب أن يكون جذريا بحيث يشعر أصحاب رؤوس الأموال بأجواء مقبولة تضمن لهم استثمار أموالهم دون أية ضغوط من الأجهزة البيروقراطية والأمنية، ودون تدخل أية جهة في شؤونهم، ولا يمكن ضمان هذا إلا بوجود تعددية سياسية حقيقية بعد سن قانون للأحزاب يضمن حرية العمل السياسي والتنافس الشريف من أجل بناء الوطن وتطوير اقتصاده بعيدا عن هيمنة الحزب الواحد ومؤسساته القمعية، حيث ثبت بالتجربة أن بلدان الأحزاب الوحيدة أصيبت بالفشل والركود الاقتصادي وكبت الحريات وخمود النشاط البشري، سواء في دول المنظومة الاشتراكية سابقا أو الدول التي كان يسيطر عليها حزب واحد، استولى على السلطة بالقوة، بينما الدول التي يتم فيها تداول السلطة بشكل سلمي وعن طريق الانتخابات الحرة في أجواء الديمقراطية، فإنها تطورت وازدهرت ويشعر المواطنون فيها بأنهم بشر يتمتعون بخيرات بلادهم، وتؤمن لهم فرص متساوية للعمل ولإنتاج والإدارة والنشاط السياسي. فأين بلادنا من هذه التجارب! ألا يدل شطب مداخلة السيد رياض سيف بسبب قوله الحقيقة أن الحرس القديم في البلاد يحاول منع الأصوات الجريئة من التحدث, ويقف ضد أية محاولة نحو تحديث القيادات وإطلاق الحريات والتوجه نحو الإصلاح الاقتصادي والسياسي؟

   إن هؤلاء يخشون من أن يؤدي تحديث القوانين ومكافحة الفساد والبيروقراطية إلى وضع حد لنفوذهم وتلاعبهم بقوت الشعب، وتسببهم في إفقار غالبية الجماهير إلى ما دون خط الفقر، علماً بأن بلادنا ليست قليلة الموارد، بل هي غنية في إمكاناتها حيث توفر المناخ الجيد والأرض الزراعية الخصبة والمعادن والبترول والمحاصيل الغذائية الزراعية والصناعية، والأيدي العاملة الرخيصة، وعدد كبير من ذوي الكفاءات العلمية والخبرة.

    إن الذين يعيقون التوجه نحو الديمقراطية وإطلاق الحريات والتعددية السياسية والاقتصادية إنما يسبحون عكس التيار العالمي، وليس بمقدورهم إعاقة التطور كما يريدون، فالعالم من حولنا يتغير ولصالح الشعوب, وقد آن الأوان لتسير بلادنا قدما نحو التطور والازدهار، وينبغي على جميع القوى السياسية الديمقراطية العربية والكردية وغيرها، أن تتكاتف معا من أجل إحداث التوجه نحو الديمقراطية والتخلص نهائيا من قانون الطوارئ ومن نار الفساد والبيروقراطية والاستغلال والنضال بلا هوادة من أجل وطن حر وشعب سعيد. ¤

 

القضايا العادلة

لا تموت بالتقادم

    تمخضت نتائج الحرب العالمية الأولى عن سيطرة البريطانيين والفرنسيين على مقاليد السياسة العالمية، وبدؤوا على الفور تقسيم مناطق النفوذ في شتى بقاع العالم وفق معاهدات وبروتوكولات وخرائط كانت تعد وترسم في أروقة ودهاليز الغرف الدبلوماسية في لندن وباريس، دون أي اعتبار أو مراعاة لظروف وطبيعة وتكوين تلك المجتمعات، أو احترام خصوصيتها القومية أو الدينية أو الجغرافية، ولقد كانت منطقة الشرق الأوسط من أكثر المناطق تعرضاً للتقسيم ومحظية بالاهتمام من قبلهم، نظرا لأهمية المنطقة من الناحيتين الاقتصادية والسياسية من جانب، ومن جانب أخر كانت تعتبر تلك المنطقة تركة الرجل المريض (الدولة العثمانية) الذي خرج من الحرب منهكا  مهزوماً، وفقد السيطرة كليا على مستعمراته، وبالتالي فالمصلحة السياسية والاقتصادية وقانون المنتصر تقتضي توزيع هذه البقع الجغرافية الاستراتيجية بين المنتصرين.

    وعلى الرغم من أن هذه السياسة جلبت الويلات لشعوب المنطقة ككل، إلا أن أكثر الشعوب تضررا من جراء تلك السياسة هما الشعبين الكردي والشعب الفلسطيني، حيث تم التشطيب نهائيا وبشكل تعسفي على هويتهما القومية واعتبارهما كأنهما غير موجودين في الخارطة السياسية للشرق الأوسط، وعملت الدولتان بشتى الوسائل على التعتيم الإعلامي والسياسي لأي نشاط يمكن أن يمارسه الشعبان، رغم مقاومتهما الشديدة لتلك السياسة لعدة عقود من الزمن، ولم تكن نتائج الحرب العالمية الثانية بأفضل حال من الأولى بالنسبة لتقرير مصير الشعبين؛ إذ تمخضت نتائج هذه الحرب عن إعلان دولة إسرائيل فوق قسم كبير من فلسطين، وإلحاق قسم آخر منه بالأردن (الضفة الغربية) وآخر بمصر (قطاع غزة)، إضافة إلى تشريد أكثر من مليون فلسطيني في شتى بقاع العالم، خاصة في سوريا ولبنان والعراق والكويت وغيرها.. كما تم تقسيم كردستان بشكل نهائي بين أربعة دول في المنطقة أيضا (تركيا،إيران،العراق،سوريا).

    ومن المفارقة الكبيرة أن الذين رفعوا راية الدفاع عن أرض فلسطين رفضوا الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وتشكيل دولته، بل اعتبروه من رعايا (الأردن ومصر) طيلة عقدين من الزمن إلى أن كان حرب 1967 حيث تم احتلال هذه الأراضي من قبل إسرائيل، وبالتالي أصبحت فلسطين بكاملها تحت الاحتلال الإسرائيلي, أي بمعنى أوضح حصل توحيد قسري للأراضي الفلسطينية، وهذا الوضع انعكس إيجابيا على نضال الشعب الفلسطيني، إذ تم حشد كافة الطاقات الفلسطينية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي بدعم وتأييد مباشر من كافة الدول العربية، وساعد هذا الوضع الجيو-سياسي الملائم على الارتقاء بالقضية الفلسطينية إلى واجهة الأحداث في الشرق الأوسط وعلى المستوى العالمي منذ بداية السبعينات وحتى الآن، رغم ما رافقت مسيرتها من اخفاقات وانتكاسات وما تعرضت لها من مجازر وضغوطات سواء من إسرائيل أو من بعض الدول العربية، وهاهي الآن تخطوا خطوات جادة وحقيقية نحو الاقتراب من قيام الدولة الفلسطينية على جزء من أراضيها, ولم يعد الخلاف يدور حول قيام الدولة الفلسطينية بل حول حدود هذه الدولة، سيادتها، علاقاتها...الخ.

    أما القضية الكردية فلقد كان وضعها وظروفها مختلفة تماماً عن القضية الفلسطينية لافتقارها إلى أي دعم سياسي أو عسكري أو مادي من قبل أية دولة في المنطقة، بل على العكس تماماً فلقد تآمرت دول المنطقة بشكل مبرمج على طمس هوية ومعالم الشخصية الكردية -تاريخيا وجغرافيا وسياسيا- منذ لوزان /1923/ وحتى وقت قريب جدا. ودخلت فيما بينها في اتفاقات أمنية حول القضية الكردية رغم الخلافات الكبيرة بينها حول العديد من القضايا، كما أنها استغلت علاقاتها الدولية الواسعة للضغط على هذه الدول كي تتجنب التعامل مع القضية الكردية بشكل إيجابي.

    ضمن هذا الظرف السيئ دافع الشعب الكردي عن هويته القومية بكل صلابة، وقدم تضحيات كبيرة وتعرض لمجازر بشعة طيلة ثلاثة أرباع قرن إلى أن جاء العقد الأخير من القرن العشرين، وحدثت تطورات كبيرة في التوازنات الدولية وظهور ما يسمى بالنظام العالمي الجديد وسيطرة مفاهيم الديمقراطية وحقوق الإنسان على الساحة السياسية العالمية، فبرزت القضية الكردية من جديد كقضية ساخنة لابد من البحث عن حل واقعي لها، وتضاءل مفعول الاتفاقات الأمنية أمام عناد الشعب الكردي والتطور التكنولوجي الهائل على صعيد الاتصالات، لذلك بدأت كل دولة الآن بالتفكير جديا لإيجاد مخرج للحل بغية الحفاظ على حدودها الحالية والمهددة بالتدخلات الخارجية فيما لو اتبعت ممارسة سياستها التعسفية السابقة بحق الشعب الكردي، باستثناء سوريا التي تتجاهل حتى الآن وجود قضية كردية لديها، وتتعامل مع المسألة الكردية من خلال إظهار تعاطفها الشكلي مع القضية الكردية في الأجزاء الأخرى، وذلك بإفساح المجال لها للنشاط  في سوريا وافتتاح مكاتب حزبية دون الاعتراف الرسمي بحقوقها ومطالبها أو من خلال استثمارها كورقة مساومة أو ضغط مع دول الجوار كتكتيك سياسي يساعدها على تحصين موقعها التفاوضي معهم. ومؤخراً يحاول النظام استخدام رموز كردية مشبوهة لتقديمهم كواجهة تمثيل مزيفة عن الشعب الكردي، وبالتالي تشويه حقيقة القضية الكردية في سوريا كقضية شعب على أرضه التاريخية، ويناضل من أجل حقوقه القومية والديمقراطية من خلال الاعتراف الدستوري، وعبر الحوار مع الممثلين الحقيقيين للشعب الكردي، وليس عبر تقديم واجهات مزيفة لأن مثل هذا الأسلوب بات معروفاً للجميع ولم يعد مجدياً ممارسته اليوم.

    هذا لا يلغي أبدا بروز أصوات جريئة بين المثقفين العرب في الآونة الأخيرة تعبر بصدق عن معاناة الكرد في سوريا وتطالب بإيجاد حل عادل ومنصف للمسألة الكردية، وتعتبرها مسألة تتعلق بأسس التعامل الديمقراطي مع القضايا الجوهرية على الساحة السورية. وهذا يبعث على الارتياح لدى أوساط الشعب الكردي وحركته، ونأمل أن تتسع هذه الدائرة أكثر فأكثر، ونحن من جانبنا نبذل قصارى جهدنا في إغناء هذا التوجه الحضاري المسؤول، كما نهمس بهدوء في أذن أولئك الذين صمموا ألا يسمعوا ولا يروا ولا يتكلموا، أولئك الذين أعماهم الحقد الشوفيني والعنصري بأن القضايا العادلة لا تموت بالتقادم ولا بالنكران.

 

القمة الإسلامية التاسعة

ومعايير القرارات...

   أنهت القمة الإسلامية التاسعة أعمالها في مدينة الدوحة بتاريخ 13/11/2000 بمشاركة /56/ دولة إسلامية، ناقشت القمة مختلف القضايا الإسلامية، الصغيرة والكبيرة، بالرغم من أن المؤتمر انعقد تحت شعار -السلام والتنمية- إلا أن القضية الفلسطينية كانت المحور الأساس لمجريات هذه القمة، لكن وبالرغم من المناقشة المستعينة لجملة المسائل الشائكة إقليميا، دوليا، فقد جاءت القرارات ضبابية تماما، تتحرك ضمن الأطر النظرية العامة، وفي بعض الأحيان جاءت متناقضة كليا، فعلى سبيل المثال تم اعتماد كلمتي كل من الرئيس الإراني محمد خاتمي وأمير قطر كوثيقتين معتمدتين لهذا المؤتمر (وبالتصفيق الحاد)، علما أن الكلمتين كانتا في تناقض تام، حيث الطرح الإيراني كان واضحاً بصدد القضية الفلسطينية، إذ دعا إلى إلغاء دولة إسرائيل بشكل مباشر، وبرأينا إن هذا التوافق بين مختلف الاتجاهات المتباينة والمتناقضة كان معدا له سلفا لإرضاء بعض الأطراف المتشددة ذات القوة مثل إيران.

    كما لم يستطع المؤتمر اتخاذ أي قرار صريح وواضح حول قطع العلاقة مع إسرائيل ، بل جاءت القرارات غير ملزمة، على شكل دعوات أو تمنيات. فكيف يمكن لدول مثل أندونيسيا وتركيا التي تربطهما بإسرائيل علاقات عسكرية واقتصادية قوية، أن تقطع هذه العلاقات، في الوقت الذي ترتبط فيه كل من مصر والأردن مع إسرائيل بمعاهدات واتفاقات دولية، وتحتفظ بوجود دبلوماسي على مستوى السفارات.

    تطرقت القمة إلى الملف العراقي-الكويتي، حيث كان هذا الملف أحد أهم مواد أجندته، لكن الاهتمام  بالشأن العراقي كان متميزا إلى حد مثير للتساؤل، حيث تباكى الكثير على معاناة الشعب العراقي من جراء الحصار الغربي المفروض عليه، وكأن الحصار المفروض أمر جديد، أو كأن النظام في العراق قد تغير، فالحصار المفروض على العراق قائم منذ أكثر من تسع سنوات، وأثناء القمة الإسلامية في طهران لم نسمع أحد يطالب برفع هذا الحصار، كما أن النظام في بغداد في السلطة كما هو ولم يتغير فيه شيء، ولا يوجد في المستجدات الدولية ما يشير إلى ضرورة هذه الدعوة اللهم سوى دعم أحد أهم مصادر الإرهاب الدولي في الشرق الأوسط، وتمكينه من ضرب الشعب الكردي مجددا، وجاء هذا التوجه واضحا إلى حد كبير حينما أعلن المؤتمر عن دعوته إلى إلغاء الحماية الدولية عن المنطقة الآمنة في كردستان العراق، ليعرض الشعب الكردي المسلم مرة أخرى إلى عمليات إبادة، كما حدث ذلك في حلبجة وعمليات الأنفال، في الوقت الذي دعت فيه هذه القمة إلى ضرورة تأمين حماية دولية للشعب الفلسطيني من الخطر الإسرائيلي. أليست هذه مفارقة؟!!

   هذا وفي مجال حقوق الإنسان تطرق السيد عز الدين العراقي الأمين العام السابق لمنظمة المؤتمر الإسلامي إلى ضرورة حماية حقوق الأقليات المسلمة في العالم وصيانتها دون ذكر معاناة الشعب الكردي المسلم منذ عشرات السنين من جميع صنوف القهر والظلم، وحرمانه من أبسط مستحقات الحياة الحرة الكريمة علما إن هذا الشعب كان ومازال، ومنذ فجر التاريخ الإسلامي، المدافع الأول عن هذا الدين، ونذكرهم مرة أخرى بتحرير القدس على يد السلطان صلاح الدين الأيوبي وما ت&#